تضع الشكاية الرسمية التي رفعتها مجموعة من مستشارات ومستشاري المجلس الجماعي لأصيلة إلى والي جهة طنجة–تطوان–الحسيمة وعامل عمالة طنجة–أصيلة، تدبير الشأن المحلي بالمدينة تحت مجهر الرقابة الإدارية، فاتحة بذلك ملفا شائكا يرتبط بالحكامة الجبائية وصيانة الموارد المالية للجماعة.
هذه الخطوة الرقابية لم تأت من فراغ، بل استندت إلى معطيات تفصيلية تشير إلى وجود اختلالات في تدبير الرسوم المفروضة على الأراضي غير المبنية، وهي إحدى الروافد الأساسية لميزانية الجماعات الترابية التي تعول عليها في تمويل مشاريع التنمية المحلية.
وتتمحور الشكاية حول ثلاث قطع أرضية شاسعة تعود لمالك واحد، وهي “السانية 1″ و”بنعيسى” و”أصيلة بلاج 4″، والتي تتجاوز مساحتها الإجمالية ستة هكتارات من الأراضي الاستراتيجية داخل النفوذ الترابي للمدينة، حيث يرى الموقعون على الشكاية أن الاستفادة من إعفاءات مؤقتة لبعض هذه العقارات تمت دون استيفاء الشروط القانونية الصارمة، والأخطر من ذلك، دون ترتيب الآثار المالية المتعلقة بالديون الضريبية المتراكمة عن سنوات سابقة، ما يطرح علامات استفهام كبرى حول منطق “الإعفاء بأثر رجعي” وتأثيره المباشر في حرمان خزينة المدينة من مداخيل حيوية كان بإمكانها سد خصاص بنيوي في قطاعات اجتماعية وتجهيزية ملحة.
لا يتوقف جوهر القضية عند ضياع المداخيل فحسب، بل يمتد ليشمل الشبهات المحيطة بالشرعية القانونية لمساطر التوقيع والتفويض، إذ تشير المراسلة، إلى أن النائب الأول لرئيس المجلس، في ولايتيه السابقة والحالية، قد يكون تجاوز نطاق الاختصاص والتفويض المخول له عند توقيعه على شهادات الإعفاء، وهو ما يضعنا أمام مواجهة صريحة مع المقتضيات المنظمة للجبايات المحلية، التي لا تترك مجالا للتأويل في مسألة الآجال المحددة لإيداع التصاريح أو الجهة المخول لها قانونا منح هذه الامتيازات الضريبية. هذا الخرق المحتمل يتجاوز كونه خطأً إداريا بسيطا ليلامس مبدأ فصل السلط داخل الهيكل المنتخب، ويضرب في العمق مفهوم المساواة أمام الضريبة، إذ أن تمييع مساطر الإعفاء لفائدة كبار الملاك العقاريين يكرس نوعا من الريع الجبائي الذي يضعف ثقة المواطن والفاعل الاقتصادي في نزاهة المؤسسات المنتخبة.
وبينما أرفق المستشارون شكايتهم بملف متكامل يضم شهادات ملكية، وخرائط طبوغرافية، ومحاضر معاينة، فإنهم بذلك يضعون سلطات الوصاية أمام مسؤولية جسيمة لتفعيل أدوات الافتحاص الإداري والمالي، فتعزيز الحكامة المحلية يتطلب اليوم أكثر من أي وقت مضى الانتقال من التسيير الإداري التقليدي إلى الرقابة الصارمة التي لا تستثني أحدا، خاصة في ظل التوجهات الوطنية الداعية إلى عقلنة الإنفاق العام وتعظيم الموارد الذاتية للجماعات.
وبالتالي، فتح هذا التحقيق لن يكون مجرد إجراء بيروقراطي، بل هو إشارة سياسية قوية نحو تكريس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وضمان أن تظل الجبايات المحلية أداة لخدمة الصالح العام لا وسيلة لخدمة مراكز النفوذ العقاري، وهو ما يتطلع إليه سكان مدينة أصيلة الذين ينتظرون أن تترجم هذه الدينامية الرقابية إلى حماية فعلية للمال العام وصيانة لهيبة القانون المنظم للشأن المحلي.
ترى، هل ستقوم سلطات الولاية بالتحرك السريع لفك شفرات هذا الملف المالي المعقد؟ وهل ستنجح هذه المبادرة في إعادة الاعتبار للمسطرة القانونية التي يبدو أنها تاهت بين ردهات مكاتب التوقيع في جماعة أصيلة؟ الإجابة تظل رهينة بما ستسفر عنه الأيام القادمة من نتائج الافتحاص المرتقب.
