ليست كل الأزمات معلنة بالصوت العالي، بعضها يبدأ خافتاً في الكواليس، ثم يتحول إلى واقع لا يمكن تجاهله.
داخل حزب التجمع الوطني للأحرار، تتزايد الأسئلة أكثر من الإجابات، ويبدو أن الحزب الذي تصدر المشهد السياسي في 2021، مطالب اليوم ليس فقط بالدفاع عن موقعه، بل بإثبات قدرته على البقاء في القمة.
المشهد الداخلي يكشف صراعات متشابكة بين تيارات مختلفة، وقلقاً متزايداً لدى منتخبين يبحثون عن مواقع آمنة، بينما يجرى برلمانيون اتصالات يومية لضمان موطئ قدم في أحزاب أخرى، تحسباً لأي تحولات قادمة.
هذا الانقسام الداخلي لا يمكن فصله عن تراجع الرصيد السياسي للحزب في الشارع، حيث بات جزء من منحه أصواته سابقاً يعبر عن خيبة أمل واضحة.
وبينما يفتخر الخطاب الرسمي بحصيلة إصلاحية، يرى منتقدون أن تدبير الحكومة لم ينجح في احتواء موجة الغلاء وتداعيات الأزمات المتلاحقة، بل أن بعض القرارات عمّقت الإحساس بالضغط الاجتماعي.
وهكذا تحول الرصيد الانتخابي من قوة إلى عبء سياسي ثقيل، يضاف إليه الشك حول صورة القيادة، وعلى رأسها رئيس الحكومة عزيز أخنوش، الذي شكّل حضوره المالي والسياسي رافعة أساسية في محطة 2021.
خصوم الحزب يكررون الاتهامات المتعلقة بتأثير المال على النتائج الانتخابية، وهي اتهامات تبقى سياسية ما لم تثبت قانونياً، لكن ترسخ هذه الصورة في المخيال العام يضعف الشرعية المعنوية ويؤثر على الثقة.
السياسة لا تُحاكم بالقانون وحده، بل أيضاً بانطباعات الرأي العام، وهذا ما يثقل كاهل الحزب اليوم.
عدد من المنتخبين يجدون أنفسهم في منطقة رمادية، لا هم قادرون على الدفاع عن حصيلة مثار جدل، ولا هم مطمئنون لمستقبل انتخابي تحت اليافطة نفسها.
وتوضح تحركاتهم وإعادة ترتيب الأوراق أن منطق المصلحة ما يزال حاضرًا بقوة في الثقافة السياسية، أكثر من منطق القناعة.
الأزمة تتجاوز حزب الأحرار إلى حلفائه في الأغلبية، وعلى رأسهم حزب الأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال، إذ إن فقدان الثقة يطال الجميع ويجعل المسؤولية السياسية جماعية.
في ظل هذا الواقع، يجد الناخب نفسه في حيرة، هل يبقى ضمن تحالف فقد جزءاً من بريقه، أم يغامر بالانتقال إلى جهة أخرى قد لا تكون أكثر أماناً؟
ما يحدث اليوم يعكس أزمة أعمق من مجرد صراع مواقع؛ إنها أزمة ثقة بين المواطن والطبقة السياسية.
فالناخب الذي صوّت بدافع الأمل لا تعنيه الحسابات الداخلية ولا التحالفات الظرفية، بل يبحث عن أثر ملموس في حياته اليومية.
وإذا استمر الإحساس بأن الأحزاب تتحرك بمنطق التموقع لا بمنطق المشروع المجتمعي، فإن العزوف سيكون الرابح الأكبر.
لقد وصل الحزب إلى الصدارة عبر صناديق الاقتراع، لكن الحفاظ عليها يتطلب أكثر من الأرقام؛ يحتاج إلى انسجام داخلي، ومصداقية متجددة، وقدرة على إقناع الشارع بأن السياسة ليست مجرد سباق نحو المقاعد.
وبين التوترات الداخلية وضغوط الشارع، يبدو الحزب أمام اختبار سياسي حقيقي، إما إعادة ترتيب البيت الداخلي واستعادة المبادرة، أو مواجهة خريطة انتخابية مختلفة عما عرفه في 2021.
في السياسة، التاريخ الانتخابي لا يحسم المستقبل، بل الأداء والمصداقية هما الفيصل، والرهان اليوم ليس على الفوز بالأصوات فقط، بل على استعادة الثقة التي تجعل من الحزب قوة حقيقية قادرة على الاستمرار.
