لم يكن مشهد الوزير محمد المهدي بنسعيد وهو يعقد ندوة صحافية منفردا عقب المجلس الحكومي مجرد تفصيل بروتوكولي عابر، بل كان هزة ارتدادية كشفت عن تصدعات صامتة في جدار الانسجام الحكومي.
ففي الوقت الذي يفترض فيه أن يطل الناطق الرسمي باسم الحكومة ليعبر عن وحدة الموقف، اختار وزير التواصل أن يغرد خارج السرب، ويحتكر سردية إصلاح قطاع الصحافة في خروج استعراضي يطرح تساؤلات حارقة حول دوافعه الحقيقية.
هذا الانفصال التواصلي لا يمكن قراءته إلا كرسالة مشفرة، وربما كرد فعل سياسي متوتر على رفض الحكومة لمقترحه السابق بإحداث لجنة إدارية لتدبير شؤون الصحافة، فكأن لسان حال الوزير يقول: “إذا لم تمرروا تصوري، فسأحتكر الكلام عنه بأسلوبي”.
هذا السلوك لا يضرب فقط في عمق التقاليد المؤسساتية الراسخة منذ عقود، بل يحول قطاعا سياديا وحساسا مثل الصحافة إلى ضيعة قطاعية تدار بمنطق المبادرات الفردية لا بمنطق المسؤولية الجماعية.
ويعمق التعامل مع المجلس الوطني للصحافة —وهو مؤسسة تنظيم ذاتي وليست ملحقة إدارية— بمنطق الندوات المنفردة أزمة الثقة مع الجسم الإعلامي. فبنسعيد، بهذا الخروج، لم يقدم حلولا بقدر ما قدم دليلا على وجود خلل في التنسيق داخل الفريق الحكومي.
ويعطي شخصنة الملفات الكبرى وتدبيرها عبر الخرجات المنعزلة انطباعا بأننا أمام حكومة جزر معزولة، حيث يبحث كل وزير عن “بريستيج” خاص، حتى لو كان الثمن هو صورة التضامن الحكومي أمام الرأي العام.
على بنسعيد أن يدرك أن قوة الوزير تستمد من قوة المؤسسات وانسجامها، لا من الالتفاف على الندوة الرسمية للحكومة. فملف الصحافة أكبر من أن يدبر بمنطق “بقا في الحال”، وأخطر من أن يترك لردود أفعال ظرفية تكرس الانقسام بدل الحوار. اليوم، لم يعد المطلوب فقط نصوصا تشريعية، بل وضوحا سياسيا ينهي هذا العبث التواصلي ويعيد الهيبة للعمل الحكومي الجماعي.
