بينما تقطع مدينة مكناس أشواطا واثقة نحو استعادة توازنها المالي الضائع، وتنفض عنها غبار سنوات من التدبير المتعثر، اختار حزب العدالة والتنمية الخروج ببيان خارج السياق، غارقا في لغة المزايدات ومحاولات خلط الأوراق. هذا البلاغ الذي يفتقر لأدنى ملامح الواقعية، لا يبدو سوى رد فعل مصدوم أمام صرامة لغة الأرقام التي كشفت عورة المرحلة السابقة، وصورة بائسة لنخبة سياسية تحاول مداراة فشلها التاريخي عبر اختلاق معارك وهمية، متجاهلة أن ذكاء المواطن المكناسي بات عصيا على التضليل، وقادرا على التمييز بين الضجيج الإنشائي وبين العمل الميداني الرصين.
وفي محاولة مفضوحة لاستغلال حرارة الأحداث، ركب البلاغ موجة المشادات الكلامية التي شهدتها دورة فبراير الجاري، مستغلا تبادل اتهامات حول الرشوة والسمسرة لتنصيب نفسه واعظا أخلاقيا وقاضيا فوق الجميع. وهنا يسقط القناع عن الحزب؛ فلو كان مخلصا لشعارات النزاهة التي يرفعها، لماذا لم يتوجه مباشرة إلى الوكيل العام للملك لفتح تحقيق قضائي في تلك الشبهات؟ إن الاكتفاء ببيانات التهويل يثبت أن الحزب يتقن فن الخطابة لا فن الفعل، وأن غايته هي البهرجة لا الإصلاح.
وتكشف العودة بذاكرة المكناسيين إلى الوراء تكشف المأساة التي تسبب فيها هذا الحزب، حين ترك خزانة الجماعة ترزح تحت وطأة عجز مالي مخيف بلغ 19 مليار سنتيم، في حقبة اتسمت بنزيف حاد للموارد وخروقات مجلجلة في قسم الجبايات عرتها لجان وزارة المالية. تلك الفترة السوداء، التي أعقبتها مرحلة تعثر أخرى مع جواد باحجي، وضعت المدينة في حالة سكتة قلبية مالية، لم ينقذها منها سوى المجهود الاستثنائي للمجلس الحالي بقيادة عباس الومغاري وفريقه، الذين خاضوا معركة إحياء حقيقية لشرايين المدينة طيلة سنة كاملة.
هذا النجاح الذي يترجمه الواقع اليوم بزيادة في المداخيل بنسبة 17%، وارتفاع قياسي في مداخيل المحطة الطرقية بنسبة 142%، هو ما دفع أصحاب البلاغ إلى حالة من الهذيان السياسي؛ فإنجازات الفريق الشاب الحالي هدمت صرح أوهامهم. ولعل المثير للسخرية في بيانهم هو الاستشهاد بتقرير المجلس الأعلى للحسابات الذي يدين فترة سلفهم لا الولاية الحالية، في وقت اختار فيه فرسان البلاغات الهروب من المواجهة المباشرة داخل قاعة المجلس أثناء مناقشة التقرير، مفضلين المعارضة الفيسبوكية الجبانة على مقارعة الحجة بالحجة والأرقام بالأرقام.
اليوم، وأمام هذه الحكامة المالية الهجومية التي تخرس المشككين، يظهر حزب العدالة والتنمية بمكناس في حالة انفصام سياسي حاد؛ فهو يتباكى على وضع مالي كان هو مهندسه الأول، ويرفض الاعتراف بنجاح تدبيري حقق في شهور معدودة ما عجزت عنه ولاياتهم الطويلة. إن محاولة تبخيس عمل طاقم إداري شاب وفعال لن تزيد الساكنة إلا قناعة بأن زمن اللغة الخشبية قد انتهى، وأن العودة إلى الوراء باتت مستحيلة.
