من المؤكد أن مكافحة البناء العشوائي واختلالات التعمير غير القانوني أمر ضروري للحفاظ على التنظيم العمراني وضمان سلامة البنية التحتية، ومع ذلك، يبدو أن سلطات مدينة طنجة قد أضاعت الفرصة لتنفيذ هذه المهمة بكفاءة وعدالة.
لنكن صريحين، الأدلة تشير إلى أن هذه الحملات ليست سوى تمثيلية ومسرحية سخيفة الإخراج، لماذا نقول ذلك؟ لنلق نظرة على تفاصيل المسرحية .. ما هي الأسباب التي منعت السلطات من التدخل بمجرد المحاولة أو على الأقل في بداية البناء، وهي التي لا تخفى عليها خافية؟ لماذا انتظرت حتى اكتمل تقريبا البناء، واستقر الجميع في منازلهم، لتطلب منهم المغادرة وهدمها في الحين ؟ وكيف يمكن لهذه المباني أن تكون سرية في بلد المهمة الأولى للمقدم تتمثل في ترصد أي آجورة مقتناة وتعقب مسارها .. لأنه ببساطة، هناك تواطؤ على خرق القانون و مساطيره بين المستفيد و السلطات المخول لها تنظيم و مراقبة التعمير و زجر مخالفاته.
نحن اليوم أمام تناقض صارخ و”سكيزوفينيا” فاضحة ومشكلة أساسية في النزاهة والشفافية، ذلك أن عمليات الهدم الأخيرة التي قامت بها السلطات بدعوى مخالفة الأبنية للتراخيص الممنوحة، تمثل عقابا للمواطنين المحتمل تورطهم في هذه المخالفات، لكن ألا يفترض في هذه الحالة وجود من تستر على هذه الاختلالات وعبد لها الطريق إلا أن صارت بنايات شاهقة.
للأسف، تبدو هذه المسرحية البيروقراطية السخيفة، ليست سوى محاولة فاشلة لتضليل الرأي العام ومحاولة من السلطة الظهور بمظهر الحريص على تطبيق القانون.
على السيد والي جهة طنجة تطوان الحسيمة، ألا ينسى أننا نحن المغاربة نعرف بعضنا البعض جيداً، وعليه أن يكون صادقاً مع نفسه أولاً ويعترف أن المغاربة أذكى بكثير من أن يصدقوا هذه الشطحات الإستعراضية، ذلك لأننا نعلم جيداً أن المواطن بمجرد أن يضع كيس إسمنت أمام باب منزله؛ حتى يجد جيشا من أعوان السلطة يحاصرونه ويعزفون على مسامعه سمفونية احترام القانون.
لذلك نهمس في أذن سعادة الوالي المحترم، ونقول له “إذا لم تكن لديك الشجاعة والجرأة على المطالبة بفتح تحقيق قضائي نزيه وشفاف مع رجال السلطة الذين اشتغلوا تحت إمرتك قبل أن يتم تنقيلهم نحو أقاليم و عمالات أخرى حاملين ترقيات وامتيازات لا تحصى، فعلى الأقل سارع بوضع حد لهذا العبث”.
يذكر أن المكتب المركزي لرابطة الدفاع عن حقوق المستهلكين، قد أعد تقريرا مفصل حول هذا الموضوع، اعتبر فيه أن طريقة تعاطي السلطات مع هذا الملف تكاد تكون غير مقنعة، لأنها تقف عند الشجرة التي تخفي الغابة، متسائلا، هل يعقل أن يتنامى البناء العشوائي بهذه الشراسة دون وجود تواطؤ بين الأطراف التي تتولى التغطية على تلك الجرائم؟، مشيرا إلى أنه حينما تفور غضبة السلطة تنصب على الحلقة الضعيفة ضمن تلك السلسلة الطويلة، حيث يتم التوجه إلى صاحب المبنى في الوقت الذي يتم التستر على الأطراف المساهمة والمشاركة.
وأبرز التقرير الذي يتوفر “المغرب 24” على نسخة منه، أن البناء العشوائي بمدينة طنجة هو ثمرة التواطؤ والتلاعب بالقوانين، مشيرا إلى أن أصحاب المباني المهدمة يتحولون في نهاية المطاف إلى أكباش فداء، في حين تظل أطراف أخرى تتحرك خلف الستار.
وأوضح تقرير الرابطة، أن السلطات عند تنفيذ قرار ها تقف عند “ويل للمصلين”، فهي من جهة لم تتدخل قبل إنطلاق البناء أو خلال إنجازه، علما أنها تكون على علم بذلك من خلال أعينها التي لا تنام (المقدم والشيخ والقائد ورئيس الدائرة). وبدلا من التحرك لمواجهة ذلك، يتم التستر عليه وتزكيته في نهاية المطاف، مما يؤكد وجود تواطؤ خفي أو معلن، مشيرا إلى أن هذه المباني التي نشأت في ظرف قياسي في مناطق كثيرة أمام مرأى ومسمع من الجميع، لماذا لم يتحرك أحد لمنع بنائها قبل وضع الآجورة الأولى؟، وحين صدور الأمر بالهدم، لماذا لا يتم فتح تحقيق إداري وأمني وقضائي حول الأسباب الحقيقية لنشأة تلك الأحياء العشوائية، وكذلك الجهة التي تقف خلف ذلك، وكذا مسؤولية الجهات المختصة؟.
