بعد ساعات قليلة فقط من الخطاب الذي ألقاه صاحب الجلالة الملك محمد السادس بمناسبة الذكرى السادسة والعشرين لعيد العرش، خرجت جبهة البوليساريو ببلاغ تصعيدي، في رد غير مباشر على الدعوة الملكية إلى حوار مسؤول وجاد بين المغرب والجزائر.
البلاغ الصادر عن الجبهة أعاد ترديد الشعارات التقليدية ذاتها، وعلى رأسها مطلب استفتاء تقرير المصير، متجاهلا المتغيرات السياسية الإقليمية والدولية، وخاصة القرارات الأخيرة لمجلس الأمن التي أكدت على أولوية الحل السياسي الواقعي والتوافقي، في إشارة إلى المقترح المغربي للحكم الذاتي.
الخطاب الملكي، الذي ألقاه جلالة الملك مساء الثلاثاء، حمل نبرة واضحة من الانفتاح، حيث دعا إلى تجاوز الخلافات التي تطبع العلاقات بين البلدين الجارين، مؤكدا أن الشعب الجزائري شعب شقيق، ومعربا عن استعداد المغرب الدائم لمد اليد نحو الجزائر من أجل بناء علاقات ثنائية تقوم على الاحترام المتبادل والتعاون والحوار الصريح.
غير أن الرد لم يصدر عن السلطات الرسمية الجزائرية كما كان متوقعا، بل اختارت المؤسسة العسكرية الحاكمة أن تعبّر عن موقفها عبر واجهتها المعتادة، جبهة البوليساريو، التي لا تتحرك إلا بإشارات من دوائر القرار في الجزائر.
وقد تبنت الجبهة في بلاغها مواقف متشددة تتناقض تماما مع روح الانفتاح التي تميز بها الخطاب الملكي، ما اعتبره مراقبون تكريسا لاستمرار الجزائر في سياسة الإنكار، ومحاولة للهروب من أي التزام مباشر بخصوص مستقبل العلاقات مع المغرب.
ويؤكد هذا التوجه مرة أخرى أن القرار السياسي في الجزائر لا يزال رهين الثكنات العسكرية، بعيدا عن المؤسسات المدنية والدبلوماسية المنتخبة.
يأتي هذا الرد أيضا في ظل عزلة دبلوماسية متزايدة تعيشها الجزائر، بسبب التحولات الإقليمية وارتفاع منسوب الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب.
فقد عبرت عدة قوى دولية وازنة، من بينها الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وإسبانيا وبريطانيا والبرتغال، عن دعمها الصريح لهذا المقترح كحل عملي وواقعي لإنهاء النزاع المفتعل في الصحراء المغربية.
الملك محمد السادس أكد في خطابه أن المغرب يلتزم بالسعي إلى حل سياسي توافقي، لا غالب فيه ولا مغلوب، وهي رسالة واضحة تعبر عن إرادة صادقة لتجاوز منطق الصراع وبناء مستقبل مشترك على أسس التعاون وحسن الجوار.
إلا أن الرد الجزائري، الذي جاء هذه المرة عبر لسان البوليساريو، نسف هذا الأفق ووجه رسالة سلبية إلى الداخل والخارج، مفادها أن العقلية المتحكمة في القرار الجزائري لا تزال ترفض الانخراط في أي مسار سياسي يضع مصلحة شعوب المنطقة فوق الحسابات الإيديولوجية والعسكرية الضيقة.
