في زمن تُصنع فيه الصور بالذكاء الاصطناعي، وتُفبرك فيه المشاهد ببضع نقرات، اعتاد بعض المتابعين التشكيك في كل ما يُعرض عبر الشاشات.
لذلك، كلما قدّم الإعلام المغربي صورًا لمدن منظمة، وبنية تحتية حديثة، واستعدادات محكمة لكأس أمم إفريقيا، سارع المشككون إلى القول إن ما يُعرض “مبالغ فيه” أو “مفبرك” أو نتاج ذكاء اصطناعي أكثر منه واقعًا ملموسًا.
هذا التشكيك لم يأتِ من فراغ، بل تغذّى خلال الأشهر الماضية من خطاب إعلامي جزائري ركّز على التهويل وبث صورة قاتمة عن المغرب قبل البطولة.
رُوّجت روايات تتحدث عن بطولة مهددة، ومدن عاجزة، وبنية تحتية متآكلة، وقدّم هذا الخطاب على أنه حقيقة ثابتة لا تقبل النقاش.
غير أن لحظة الحقيقة لم تأت عبر استوديوهات التلفزيون، ولا عبر بلاغات رسمية، ولا عبر تقارير إعلامية مغربية، بل جاءت من الميدان نفسه ومن عين المكان.
عشرات المقاطع المصوّرة التي نشرها مشجعون جزائريون فور وصولهم إلى المغرب لمساندة منتخبهم في نهائيات كأس أمم إفريقيا، كانت كافية لوضع كل تلك السرديات على المحك.
مقاطع عفوية، بلا إخراج ولا مؤثرات، نقلت الواقع كما هو، مطارات منظمة، محطات قطار من المستوى العالي، طرق حديثة، شبكة نقل فعالة، مرافق فندقية في مستوى محترم، واستقبال إنساني راقٍ من مواطنين مغاربة تعاملوا مع الضيوف بمنطق الاحترام وحسن الجوار.
هنا، لم تعد هناك حاجة لأي تعليق أو تفسير، فمثلا مدينة تتحرك بانسيابية مثل عاصمة البوغاز طنجة، شوارع نظيفة، بنية طرقية حديثة، مرافق استقبال جاهزة، وحضور أمني مهني يواكب الحدث بهدوء وانضباط.
شهادات عفوية عن تفاصيل يومية بسيطة، لكنها كانت كافية لإسقاط فكرة “الصورة المصنوعة” أو “الذكاء الاصطناعي”، وتعويضها بواقع يُرى ويُعاش في طنجة.
اليوم بعد أول مباراة احتضنها ملعب طنجة الكبير، والتي جمعت بين منتخبي السنغال وبوتسوانا، وجد المشككون أنفسهم أمام اختبار عملي لا يقبل التأويل.
فالمباراة، التي جرت في أجواء تنظيمية محكمة، كشفت منذ الوهلة الأولى عن جاهزية الملعب والبنية التحتية المحيطة به، سواء من حيث الولوج، أو الخدمات، أو مستوى التجهيزات التقنية.
ولم يخفِ لاعبو المنتخب السنغالي ولا أفراد طاقمه الفني، ولا حتى جماهيره التي حجّت إلى طنجة، انبهارهم بمستوى ملعب طنجة الكبير، وبملعب التداريب المخصص لهم، وبجودة البنية التحتية الرياضية، فضلاً عن ظروف الإقامة بالفندق الذي احتضن بعثة “أسود التيرانغا”، والذي وصفه عدد منهم بالمريح واللائق ببطولة قارية من هذا الحجم.
الفرق بين النقد الصادق والدعاية المغرضة تحسمه الأرض و الواقع، وهذه المرة، لم تحسمه الكاميرات الرسمية، بل عدسات هواتف مشجعين عاديين، وهنا سقطت كل الاتهامات بأن ما يقدمه الإعلام المغربي “ذكاء اصطناعي”.
الخلاصة بسيطة، ما عُرض لم يكن ذكاءا اصطناعيا، بل واقعًا يمكن لمسه ورؤيته، وعندما يتكلم الواقع، يفقد كل التشكيك قيمته.
وفي ختام هذا المشهد، لا يسعنا إلا أن نوجّه رسالة شكر وتقدير إلى السلطات المحلية التي سهرت على إنجاح هذا الحدث القاري، وعلى رأسها والي جهة طنجة–تطوان–الحسيمة السيد يونس التازي، وإلى ولاية أمن طنجة، والقوات المساعدة، والوقاية المدنية، والدرك الملكي، لما أبانوا عنه من مهنية عالية، وانضباط، وحضور ميداني مسؤول.
لقد شرفتم مدينتكم، وشرفتم جهتكم، وشرفتم المغرب بأكمله، وكنتم في مستوى الثقة والرهان.
إنتهى الكلام
