في مدينة تورناي البلجيكية، يحتل تمثال “المكفوفين” للفنان غيوم شارلييه موقعًا بارزًا في شارع صانعي القبعات، ليجسد لحظة تضامن مؤثرة بين أربعة رجال عميان وصبي صغير يقودهم.
هذا العمل الفني مستوحى من مشهد حي شاهده شارلييه في مدينة طنجة خلال شهر رمضان في أوائل القرن العشرين، حيث تأثر الشاب بشدة بالتماسك الذي أبداه هؤلاء المكفوفون وسط ظروفهم الصعبة.
خلال زياراته لطنجة، لاحظ شارلييه مجموعات من المتسولين يصومون رمضان ويتنقلون من باب إلى آخر لطلب الصدقة، لكنه لفت انتباهه أربعة رجال مكفوفين يتكئون على بعضهم البعض، يتبعهم صبي صغير يرتدي ملابس رثة. هذا المشهد أثار حماسه، فبدأ على الفور برسمه بشكل سريع، لتصبح هذه الرسومات لاحقًا أساسًا لأحد أشهر أعماله النحتية.
في عام 1906، حول شارلييه هذه الرؤية الرمضانية إلى تمثال برونزي، ضخم الحجم ويضم خمسة شخصيات مترابطة في موكب واحد. يقود الصبي الصغير الصفوف، يخطو خطوة أمامية ويمسك بيد أول كفيف، بينما يتقدم الأربعة الآخرون بشكل متتابع، كل منهم يعكس مزيجًا من الضعف والكرامة، متصلين ببعضهم بطريقة تجعل المجموعة تبدو كتلة واحدة متماسكة.
تميز التمثال بدقة تفاصيله: طيات معاطف الرجال تتداخل لتشكل وحدة بصرية متكاملة، وحركاتهم المكبوحة تعكس حالة البؤس والاعتماد المتبادل، ما جعل العمل متجذرًا في التعاطف الإنساني بعيدًا عن الميلودراما أو الصيغ الاستشراقية المزخرفة التي كان بعض معاصريه يعتمدونها.
عُرض التمثال في البداية بالقرب من كاتدرائية نوتردام في تورناي، وتمت إزالته في أبريل 2013 لأعمال ترميم كبيرة. وبعد أكثر من ست سنوات، أعيد تثبيته في مكان قريب من موقعه الأصلي، ليظل شاهدًا على مشهد رمضاني مؤثر من طنجة، حيث يمكن للمارة والزوار اليوم التوقف أمامه والتأمل في قصة التضامن والرحمة التي يوثقها الفن.
