أثارت الضجة التي خلفها مقطع فيديو متداول لأحد صانعي المحتوى المثيرين للجدل بمدينة مكناس صدمة قوية داخل الرأي العام المحلي، بعدما كشفت الواقعة وجها مختلفا لخطاب ظل يسوق لسنوات تحت لافتة “الغيرة على المدينة” وفضح الاختلالات.
فالشخص الذي اعتاد نشر مقاطع تظهر حفرا أو نفايات أو مشاهد توصف بالمسيئة لصورة المدينة، كان يحظى بتعاطف شريحة من المتابعين باعتباره صوتا مزعجا يكشف ما لا يقال، بينما كان آخرون يرون في محتواه إساءة مباشرة لصورة مكناس وتغذية لصورة سوداوية لا تخدم المصلحة العامة.
غير أن الفيديو الأخير قلب المعادلة بالكامل، بعدما وثق لحظة فارقة نقلت نشاط صاحبه من دائرة “النقد” إلى خانة الابتزاز الصريح.
تفاصيل الواقعة تعود إلى بث مباشر قام به المعني بالأمر عبر موقع فيسبوك، ظهر فيه وهو ينقل مشاهد لطريق غمرتها مياه الأمطار، قبل أن يتحول البث إلى مادة صادمة بعدما التقط الصوت، دون انتباهه، عبارات سب وقذف في حق رئيس الجماعة.
لكن الأخطر جاء في حوار جانبي التقطه البث نفسه، حين أكد لمرافقه أن رئيس المجلس حاول التواصل معه، مدعيا أنه عرض عليه مساعدة مهنية، قبل أن يكشف بنفسه أنه رفض ذلك وطالب بمقابل أكبر يتمثل في بقعة أرضية. هذه اللحظة تحديدا كانت كافية لإسقاط الخطاب الذي ظل يقدمه كدفاع عن المدينة، وتحويله إلى نموذج صارخ لابتزاز مكشوف بالصوت والصورة.
الواقعة لم تقرأ كحادث معزول، بل أعادت فتح نقاش أوسع حول تنامي ظاهرة توظيف منصات التواصل الاجتماعي في تصفية الحسابات أو الضغط على المسؤولين المحليين. إذ بات واضحا أن بعض من يقدمون أنفسهم كـ“نشطاء” يوظفون منطق التشهير والإثارة لخلق رأسمال رمزي يستثمر لاحقا في الضغط أو الابتزاز، مستفيدين من هشاشة الفضاء الرقمي وسرعة انتشار المحتوى دون تدقيق أو تمحيص.
الأخطر أن هذه الممارسات لا تقف عند حدود الأفراد، بل تتقاطع أحيانا مع حسابات سياسية ضيقة، حيث يجد بعض الخصوم في هذه الأصوات أدوات غير مباشرة لإرباك أي دينامية إصلاحية.
وفي هذا السياق، يرى متتبعون أن تصاعد الاستهداف الذي يطال بعض المبادرات المحلية ليس دائما بريئا، بل تحركه أحيانا رهانات انتخابية مبكرة أو رغبة في فرملة أي مسار قد يعيد تشكيل موازين القوة داخل المدينة.
وبحسب معطيات متطابقة حصل عليها موقع “المغرب24”، فإن الجهات المختصة باشرت فعلا خطوات أولية للتحقيق في ملابسات الفيديو المتداول، من أجل تحديد المسؤوليات وكشف ما إذا كانت الواقعة مجرد تصرف فردي أم أن هناك أطرافا تقف خلفها أو تستفيد منها.
خطوة يعتبرها متابعون ضرورية لوضع حد لهذا النوع من الممارسات التي تسيء إلى النقاش العمومي وتخلط بين حرية التعبير والابتزاز المقنّع.
اليوم، تبدو مكناس أمام لحظة حاسمة في التعاطي مع هذه الظواهر التي تستثمر في الفوضى الرقمية وتضرب في العمق ثقة المواطنين في الفضاء العام.
فاستمرار هذا النوع من السلوكيات دون ردع واضح لا يسيء فقط إلى المؤسسات، بل يضر بصورة المدينة نفسها ويحول النقاش العمومي إلى ساحة للتشهير بدل أن يكون فضاء للمساءلة المسؤولة. لذلك، فإن الحزم في مواجهة الابتزاز الرقمي لم يعد خياراً، بل ضرورة لحماية ما تبقى من توازن في مشهد محلي أنهكته الضوضاء أكثر مما خدمته الحقيقة.
