في مشهد يعيد إنتاج العبث السياسي ويؤكد استمرار حالة التخبط في تدبير ملف الإعلام، خرج وزير الاتصال محمد المهدي بنسعيد بتصريحات صادمة، لا يمكن وصفها إلا بـ”العبث ما بعده عبث”.
ففي محاولة بئيسة لتبرير الفشل المتكرر في تنظيم قطاع الصحافة، أعلن الوزير عن مشروع قانون رقم 09.26 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، زاعما أنه أخذ بعين الاعتبار ملاحظات المحكمة الدستورية التي أسقطت المشروع السابق، في محاولة يائسة لشرعنة قانون ولد ميتا.
أما الذروة في هذا العبث، فتتجلى في قرار الحكومة سحب مشروع المرسوم بقانون المتعلق بإحداث لجنة خاصة بتسيير قطاع الصحافة والنشر، بذريعة عدم الحاجة إليه، والاعتماد بدلا من ذلك على مبدأ استمرارية الإدارة داخل المجلس الوطني للصحافة. هذا القرار ليس سوى تلاعب مكشوف بالقانون، يهدف إلى إبقاء إدارة المجلس الحالية قائمة لتسيير الأمور الإدارية لستة أشهر أخرى، في مخالفة صريحة لروح التنظيم الديمقراطي والمؤسساتي، وتحويل المجلس إلى مجرد “إدارة” تابعة لأهواء الوزارة بدل أن يكون مؤسسة للتنظيم الذاتي للمهنة.
وبلغ العبث مداه حين حاول الوزير تبرير “البلوكاج” في الدعم المالي، مشيرا إلى عجز المقاولات المتوسطة والصغيرة عن إعداد ملفاتها. هذا التصريح، الذي يستر عورة فشل الوزارة في تأهيل المقاولات، يأتي ليغطي على واقع مرير وهو استمرار الحكومة في أداء أجور الصحافيين لثلاثة أشهر أخرى، هذا التصرف لا يعدو أن يكون تحويلاً للدعم العمومي إلى منحة استعطاف لإبقاء صحافيين على قيد الحياة المهنية، عوض أن يكون دعماً لتقوية المقاولة الإعلامية. إن اعتراف الوزير بأن بعض المقاولات كانت مستعدة للتخلي عن صحافييها، يثبت أن هذه المقاولات لا تملك مقومات البقاء، وأن الدعم الحكومي يذهب لشرعنة الريع والهشاشة، لا لتطوير المشهد الإعلامي.
المخجل في الأمر، هو الدعوة المتأخرة للوزير للمقاولات للتكتل ولحماية أجور الصحافيين، في وقت تضرب فيه الحكومة استقلالية الصحافة عبر التدخل السافر في أجور العاملين بها. لقد ثبتت الحكومة، من خلال هذه التصريحات، أنها لا تملك رؤية واضحة للقطاع، وأنها تتخبط بين محاولات الترقيع القانوني وسد ثغرات المقاولات الفاشلة، ضاربة عرض الحائط بأسس التنظيم الذاتي للمهنة والمسؤولية الجماعية للمقاولة الإعلامية.
