في تحول دراماتيكي يضرب في الصميم سمعة المدينة وتاريخها، انحدرت مدينة طنجة إلى قاع الترتيب العالمي من حيث سلامة السير والجولان داخل المجال الحضري، لتتحول شوارعها التي تعتبر بوابة أوروبا نحو إفريقيا إلى ساحات حقيقية للحرب اليومية، حيث يسابق السائقون الزمن لإسقاط أكبر عدد من الضحايا.
المشهد المأساوي الأخير، الذي تمثل في دهس طفلة بريئة، وما تبعه من رد فعل انتقامي دموي من والدها الذي أزهق روح شخص آخر، يضعنا جميعا، مسؤولين، مواطنين، منتخبين، وشركات، أمام مرآة عجزنا عن حماية الأرواح، ويجعلنا نتساءل عن الكفن الذي باتت المدينة تعيش فيه تحت وطأة الفوضى المستمرة.
ما يحدث على أسفلت طنجة لا يمكن تصنيفه ضمن حوادث السير العادية، بل هي جرائم يومية ترتكب بدم بارد في حق أبرياء من أطفال وشيوخ، يدفعون ضريبة تهور سائقين لا يكترثون لحرمة الحياة. وتتصدر سيارات نقل العمال التابعة لشركات المناطق الصناعية مشهد العبث هذا، حيث يتحول السائقون إلى خطر متنقل بسبب ضغوط العمل أو غياب الوعي، مستبيحين كل القوانين ومخلفين وراءهم أنهاراً من الدموع والحسرة، دون أن تلوح في الأفق أي بادرة لوقف هذا النزيف.
هذا الوضع الكارثي، الذي حول المدينة إلى مصيدة للموت، دفع الساكنة والزوار على حد سواء إلى رفع الراية البيضاء والاستسلام لواقع مرير، حيث أصبحت آلة القتل اليومي تفرض قانونها الخاص. وينذر استمرار هذا النزيف بعواقب وخيمة على النسيج الاجتماعي والاقتصادي للمدينة، ويشير إلى فجوة عميقة في تدبير الفضاء العام وتطبيق القانون، مما يستوجب تحركا فوريا وحازما لإعادة الانضباط لشوارع المدينة قبل أن تفقد طنجة آخر ما تبقى لها من مكانة كمدينة آمنة ومتحضرة.
