تواجه حكومة عزيز أخنوش موجة انتقادات واسعة تتقاطر من مختلف الأطياف السياسية والحقوقية، وذلك على خلفية القرار الأخير المتعلق بتصنيف المناطق المنكوبة جراء الفيضانات القوية التي شهدتها المملكة، حيث أثار استثناء أقاليم شفشاون، وتاونات، والحسيمة، وتازة، ووزان من لائحة التعويض والدعم جدلا صاخبا انتقل بسرعة من منصات النقاش العمومي إلى ردهات البرلمان بمجلسيه. هذا الإقصاء اعتبره مراقبون ومنتخبون “سقطة تدبيرية” لا تتماشى مع حجم الخسائر الميدانية الموثقة، مما دفع برلمانيين وهيئات حقوقية إلى المطالبة بتدارك هذا الوضع بشكل مستعجل لضمان حقوق آلاف الأسر المتضررة في المناطق الجبلية والقروية التي تفتقر أصلاً للبنيات التحتية الأساسية.
وفي هذا السياق، نقلت النائبة البرلمانية عن فدرالية اليسار الديمقراطي، فاطمة التامني، صوت المتضررين إلى وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، من خلال سؤال كتابي حاد تساءلت فيه عن المعايير القانونية والتقنية التي استندت إليها الحكومة لتصنيف إقليم دون آخر ضمن خانة “المنكوبة”. وركزت التامني على مفارقة صارخة، وهي أن الأقاليم الخمسة المستثناة شهدت تساقطات مطرية استثنائية أدت إلى فيضانات عارمة دمرت ممتلكات خاصة وبنيات تحتية عمومية، مما عمق جراح الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية في مناطق تعاني تاريخياً من ضعف شبكات الطرق والمسالك القروية والربط بالماء والكهرباء. واعتبرت البرلمانية أن تغييب هذه الأقاليم يضرب في العمق مبدأ الإنصاف المجالي، داعية إلى كشف تقارير التقييم الميداني وما إذا كانت الحكومة تنوي مراجعة اللائحة لدمج المناطق المنسية في برامج الدعم الاستعجالي وجبر الضرر.
ولم يقف الجدل عند مجلس النواب، بل امتد إلى مجلس المستشارين، حيث وجه خالد سطي، عن الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، سؤالا مباشرا لرئيس الحكومة حول دواعي حصر الصفة المنكوبة في أقاليم العرائش والقنيطرة وسيدي قاسم وسيدي سليمان فقط. وأوضح سطي أن جماعات ترابية تابعة لتاونات وشفشاون وتازة والحسيمة عرفت انهيارات أرضية وسيولا جارفة أدت إلى انهيار منازل وانقطاع قناطر حيوية، مما عزل ساكنة الجبال وجعلها في مواجهة مباشرة مع قساوة الطبيعة وغياب الدعم الرسمي. هذه المعطيات تضع الحكومة أمام تساؤلات جوهرية حول نجاعة أنظمة الرصد والتقييم التي اعتمدتها، ومدى قدرتها على التفاعل مع الوقائع الميدانية بعيدا عن التقارير المكتبية المركزية.
من جانبها، دخلت المنظمة المغربية لحقوق الإنسان على خط الأزمة، معتبرة في بلاغ رسمي أن هذا الإقصاء يمثل حرمانا صريحا للمتضررين من آليات الانتصاف القانوني والمؤسساتي التي يكفلها القانون في حالات الكوارث الطبيعية. ونبهت المنظمة إلى أن حجم الأضرار في شفشاون والحسيمة وتاونات وصل إلى حد إخلاء السكان من منازلهم وانهيار دور للعبادة وانجراف واسع للتربة، وهي مؤشرات كافية لإعلان حالة النكبة. ودعت الهيئة الحقوقية رئاسة الحكومة إلى إصدار قرار تكميلي يدمج هذه الأقاليم في البرنامج الاقتصادي والاجتماعي المخصص للمناطق المتضررة، مؤكدة أن جبر الضرر يجب أن يخضع لمعيار الضرر الفعلي لا للتقديرات الإدارية الانتقائية.
ويفتح هذا الحراك البرلماني والحقوقي النقاش حول ضرورة مأسسة صندوق التضامن ضد الوقائع الكارثية بشكل يضمن السرعة والشفافية، بعيدا عن الحسابات والموازنات الضيقة. فالمسألة اليوم لا تتعلق فقط بتوزيع تعويضات مالية، بل بإعادة الثقة لساكنة المناطق المتضررة التي تشعر بالتهميش المزدوج، اولها تهميش طبيعي فرضته الفيضانات، وثانيها تهميش إداري فرضه قرار حكومي لم يستوعب بعد حجم الكارثة في المداشر والقرى الجبلية. ويبقى السؤال المطروح على طاولة رئيس الحكومة: هل ستستجيب السلطة التنفيذية لنداءات الاستغاثة وتصحح المسار بقرار تكميلي، أم ستتمسك بلائحتها الأولى تاركة أقاليم الشمال والوسط تواجه مصيرها وحيدة؟
