هل المقتضيات القانونية كفيلة بتخليق الحملات الانتخابية وتحقيق المنافسة الشريفة؟

تضمنت القوانين التنظيمية لمؤطرة لمنظومة الانتخابات تعديلات تروم تعزيز الإجراءات المتخذة في مجال تخليق الحملات الانتخابية التي يقوم بها المترشحون، وإضفاء الشفافية اللازمة عليها، تحقيقا للمنافسة المنصفة والشريفة.

ومن أجل السهر على سلامة العمليات الانتخابية المقبلة، والتصدي لكل الممارسات التي قد تسيء إلى هذه الاستحقاقات، هناك سعي حثيث من كافة المتدخلين في العملية الانتخابية على توفير كافة الشروط لكي تمر هذه العملية بنزاهة تامة، مع فرض التنافس الشريف خلال الحملة الانتخابية التي تنطلق غدا الخميس.

إن هذا الحرص يجد مبرره في التصدي لبعض الممارسات المسيئة المرتكبة من طرف المرشحين، والتي ظلت سلوكا رافق المحطات الانتخابية بأشكال متفاوتة، مع اتخاذها عدة مظاهر تتفاعل مع خصوصيات كل من الممارسة الانتخابية التشريعية والجماعية.

وأخذا بعين الاعتبار للعبر المستخلصة من الممارسة الانتخابية، ولتعزيز إجراءات تخليق الحملات الانتخابية وإضفاء أجواء التنافس المتكافىء، تضمن القانون التنظيمي رقم 04.21 المتعلق بمجلس النواب، مقتضيات تلزم وكيل كل لائحة وكل مترشح بإعداد حساب حملته الانتخابية وفق نموذج يحدد بموجب نص تنظيمي.

ويتكون هذا الحساب من بیان مفصل لمصادر تمويل الحملة الانتخابية وجرد للمصاريف الانتخابية، علاوة على ضرورة إرفاق الحساب المذكور بالوثائق المثبتة للمصاريف الانتخابية.

وفي سبيل صد الممارسات المسيئة للعملية الانتخابية، يطرح التساؤل إن كانت المقتضيات القانونية وحدها الكفيلة بتخليق الحملات الانتخابية ؟.

في هذا الصدد، يقول عبد المنعم لزعر أستاذ علم السياسة والقانون الدستوري بكلية الحقوق السويسي بجامعة محمد الخامس الرباط، في حديث خص به وكالة المغرب العربي للأنباء، إنه يتعين الإشارة إلى ملاحظة أساسية تتعلق بالتحولات المعيارية العديدة التي عرفتها القواعد المرتبطة بتخليق الحملات الانتخابية على مستوى الانتخابات التشريعية بالمغرب، وهي تحولات تخترقها ثلاث مسارات.

ويجد المسار الأول، وفق الأكاديمي، ” في شرعنة بعض السلوكات الانتخابية ونقلها من دائرة الممنوع إلى دائرة المسموح، ويتمثل المسار الثاني في سحب الشرعنة عن بعض السلوكات الانتخابية من خلال نقلها من دائرة المسموح إلى دائرة الممنوع، فيما يهم المسار الثالت تشديد العقوبة على بعض العقوبات الانتخابية “.

وعلى ضوء هذه الملاحظة، يتابع، الأستاذ لزعر، يمكن القول بأن أبرز ما جاء به القانون التنظيمي المتعلق بانتخاب أعضاء مجلس النواب على مستوى تخليق الحملات الانتخابية هو إقرار عقوبة التجريد من العضوية النيابية في حق كل نائب تخلف عن إيداع حساب حملته الانتخابية داخل الأجل المحدد، أو لم يبين مصادر تمويل حملته الانتخابية، أو لم يبرر مصاريفه الانتخابية، أو تجاوز السقف المحدد لهذه المصاريف.

وأضاف ” بطبيعة الحال المدخل القانوني وإن كان ضروريا لتخليق الحملات الانتخابية فإن تأثيراته على مستوى مؤشرات التخليق تبقى محدودة “، لذلك يحتاج الوضع إلى انخراط جميع الأطراف المعنية بالعملية الانتخابية خاصة الأحزاب السياسية في تعبيرات التخليق الانتخابي من خلال تزكية مرشحين نزهاء واعتماد آلية التصريح بالشرف مقرونة بجزاءات حزبية أو سياسية أو رمزية في حالة المرشحين المخالفين .

وأردف قائلا ” كما يحتاج الأمر إلى يقظة إعلامية وحقوقية ودور أكبر لفعاليات المجتمع المدني من أجل الدفع بمؤشرات التخليق إلى الأمام “.

وعن المقاربة الممكنة للتعاطي مع الممارسات المسيئة للحملة الانتخابية، اعتبر الباحث أن ” كسب رهان الحملات الانتخابية يحتاج إلى بيئة محفزة وثقافة داعمة وضمير حي، تحتاج إلى مساهمة كل المتدخلين “، مشددا في السياق ذاته على أن تدخل القضاء في هذه العملية عبر تنزيل الجزاءات المقررة يمنح الثقة في جدوى المعايير القانونية.

وأكد الأستاذ لزعر على أهمية العقاب الرمزي للناخبين التي بدأت تتبلور بعض تعبيراته خلال الاستحقاقات التشريعية السابقة ومن المحتمل أن تتعزز، من قبيل ” التصويت العقابي على من كان يسعى إلى إفساد الحملات الانتخابية “.

واعتبر أن هذا المدخل مؤشر على تغييرات بدأت تتبلور على مستوى البيئة والثقافة اللتين تجري فيهما العمليات الانتخابية بالمغرب، وهي تغييرات تحمل، بحسبه، موجات طاقية إيجابية، فضلا عن أهمية البعد المعياري والزجري على المستوى الانتخابي.

ولأن المواطن يعد، إلى جانب الفاعل الحزبي، طرفا محوريا في العملية الانتخابية، فإن تخليق الحملة الانتخابية يرتبط بشكل مباشر أيضا، بسلوكه الانتخابي، الذي تتحكم فيه عدد من العوامل المرتبطة أساسا بحجم وعيه واستيعابه لمضمون وهدف العملية الانتخابية برمتها، وقدرته على مجابهة كل محاولة لاستغلال هشاشته الاجتماعية والفكرية بهدف استمالة صوته بطرق غير قانونية.