هاجس العزوف السياسي يؤرق الأحزاب المغربية عشية الانتخابات

مع انطلاق العد التنازلي لموعد الاستحقاقات الانتخابية لثامن شتنبر، تتسابق الأحزاب السياسية الزمن لإقناع أكبر عدد من الشباب بالإقبال بكثافة على صناديق الاقتراع من أجل رفع نسبة المشاركة التي تعتبر لبنة أساسية تساهم في إنجاح الانتخابات وتعزيز مصداقيتها.

ولعل أبرز تحد تواجهه جميع الأحزاب السياسية في هذا الاختبار الشعبي الهام، هو الحد من ظاهرة عزوف الشباب الذين لم يعودوا يهتمون بالبرامج الانتخابية ولا بالوعود الحزبية، بحسب استطلاعات رأي بحثية، ومرد ذلك لعدة أسباب.

من هذه الزاوية، يرى رئيس مركز أطلس لتحليل المؤشرات السياسية والمؤسساتية، محمد بودن، في حديث أن أسباب عزوف الشباب “مركبة نوعا ما”، وترتبط أساسا بتمثل بعضهم للعملية الديمقراطية ونظرتهم للأحزاب السياسية، فضلا عن واقعهم الاقتصادي و الاجتماعي وعوامل أخرى جغرافية ونفسية وثقافية.

وينطلق المحلل السياسي بودن من عامل محوري لارتفاع نسبة العزوف ألا وهو عدم تشجيع بعض الشباب وإقناعهم بأهمية التصويت من قبل المرشحين أو العائلة أو الأصدقاء أو المحيط.

وتابع أن ترك الناخبين الشباب خارج قوائم الاتصال من طرف الأحزاب ثغرة “مكلِّفة”، إذ ما تزال بعض الحملات تتخطى الناخبين الشباب، وإن كانت الأبحاث تظهر أنهم يستجيبون عند الاتصال بهم وإقناعهم.

ويعتبر بودن أن الطريقة الأكثر فاعلية للحصول على ناخب جديد هي “طرق الباب شخصيا من قبل أقرانه وجعل التصويت ثقافة سائدة”، مضيفا أنه يمكن أن تكون للبيئة الأسرية تأثير كبير على المشاركة في الانتخابات، لأن الشباب الذين يحرص أفراد أسرهم على التصويت هم أكثر قابلية للقيام بممارسة حقهم الشخصي وواجبهم الوطني، كما أن الشباب الذين يناقشون الانتخابات في شبكات التواصل الاجتماعي يرجح أن يصوتوا إذا تم إقناعهم، على حد قوله.

وسجّل المتحدث ذاته أن بعض الشباب غير مهتمين بالسياسة أو منشغلون باهتمامات أخرى، فيما آخرون يشعرون أن التصويت لن يحدث فرقا، ويظل وسيلة غير فعّالة إذا ما كانت الخيارات المتاحة أمامهم للتوجّه لصناديق الاقتراع في مُجملها غير مقنعة أو ليست في مستوى المرحلة.

وقد كشف تقرير للمندوبية السامية للتخطيط يخصّ انخراط الشباب في الحياة السياسية والجمعوية أن فقط 1 في المائة من الشباب منخرطون في حزب و4 في المائة منهم أعضاء في جمعيات.

ووفق بودن، فإن بناء الثقة بشكل تدريجي على مستوى الممارسة السياسية والخطاب السياسي والديمقراطية المحلية، قد يكون مقدمة للتغلب على العزوف في المدى القصير.

وأكد رئيس مركز أطلس لتحليل المؤشرات السياسية والمؤسساتية أن الأحزاب السياسية مطالبة بإبداع طرق لمساعدة الشباب على اكتشاف أهمية السياسة والتصويت، وإظهار لهم أن المشاكل التي يتطوعون للمساعدة في معالجتها تحتاج إلى مشاركتهم بمعية المؤسسات المنبثقة عن الاستشارات الانتخابية من أجل حلّها.

وعلى المدى الطويل، ينبغي إشراك الشباب في الدفاع عن السياسات التي تسهل مشاركتهم في الحياة السياسية، يقول المحلل بودن، فضلا عن مساعدة الشباب الذين يرغبون في الترشح بتمويل حملاتهم، وبالتالي ستتمكن فئة عريضة منهم من الشعور بالاستثمار في قدراتها وتطوير الحياة السياسية وترسيخ الخيار الديمقراطي.

وكان مجلس الحكومة قد صادق في 18 فبراير من السنة الجارية على مشروع قانون رقم 10.21 يقضي بتغيير وتتميم القانون رقم 57.11 المتعلق باللوائح الانتخابية العامة وعمليات الاستفتاء واستعمال وسائل الاتصال السمعي البصري العمومية خلال الحملات الانتخابية والاستفتائية، تضمن مقتضيات جديدة تشجع الشباب على المشاركة السياسية.

ويقضي مشروع القانون مقتضيات تشجّع المواطنات والمواطنين الذين حصلوا على بطاقتهم الوطنية للتعريف الإلكترونية لأول مرة، ولاسيما الشباب منهم، على التسجيل في اللوائح الانتخابية العامة.

وبحسب بودن، فإن انتخابات ثامن شتنبر تمثل في شموليتها تجسيدا للاختيار الديمقراطي كثابت في قواعد الدستور المغربي وروحه، كما أنها لحظة تستمد قوتها ومدلولها من ممارسة الشباب لحقهم الشخصي وواجبهم الدستوري عبر اختيار من يمثلهم في البرلمان الذي تنبثق عنه حكومة تدبر الشأن العام على أساس النتائج المحصّل عليها، علاوة على اختيار المواطن لمن سيدبّر شؤونه المحلية على المستوى الترابي جهويا وجماعيا.

وأبرز بودن أن أهمية هاته الاستحقاقات تنطلق من مسؤولية الاختيار لدى الشباب وقيمة الخيارات المتاحة أمامه من قبل الأحزاب على مستوى المرشحين والبرامج. لذلك، فالرسالة التي يمكن توجيهها في هذه المرحلة هي أنه من الطبيعي أن يمارس الشاب حقه الشخصي وواجبه الوطني بمسؤولية ودون تفريط أو انسحاب، لأن المؤسسات المنبثقة عن الانتخابات ستؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر عليه و على محيطه الاجتماعي. ومن الأفضل أن يكون فاعلا في هذه المرحلة.”

وتابع أن الشاب الذي يبلغ 18 سنة “وقرّر عدم المشاركة في الانتخابات وندم فيما بعد على امتناعه عن التصويت أو أدرك قيمته، لن يكون بامكانه تدارك الأمر إلا بعد مرور خمس سنوات” وهي مدة ليست بالهينة في مسيرة الشباب على المستويين الدراسي والمهني.

“أتصور أن الشباب يدركون أهمية مستقبلهم، ولذلك أعتقد أن نسبة مشاركتهم الإرادية في انتخابات ثامن شتنبر ستكون ملفتة”، يتوقع بودن، “وقد تُعادل انخراطهم المسؤول في الحملة الوطنية للتلقيح التي أطلقها جلالة الملك محمد السادس في 28 يناير 2021”.