مسار النجاح .. مغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس

حقق المغرب نجاحا منقطع النظير على المستوى الديبلوماسي، وأصبح في السنوات الأخيرة يقارع الكبار، ويبصم بماء من ذهب مكانته في المشهد السياسي العالمي، وكما قال وزير الخارجية ناصر بوريطة، “مغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس”.

جائحة كورونا في عمق التدبير الملكي

منذ اعتلى صاحب الجلالة نصره الله عرش المملكة، وهو يسهر على بناء مغرب جديد منفتح ورائد، من خلال البرامج والأوراش الكبرى التي تم إطلاقها تحت قيادته الرشيدة للدفع بعجلة التنمية إلى الأمام.

ولعل أبرز المحطات التي عاشها المغرب هي جائحة كورونا، التي عرفت مواكبة ملكية مهمة من خلال المقاربة الاستباقية التي أطلقها جلالته، والتي كانت مفتاح النجاح في مواجهة هذه الأزمة الصحية غير المسبوقة وتدبيرها بطريقة ناجعة، ولاقت اهتماما دوليا واسعا.

مقاربة اعتمدت على عدة محاور؛ أبرزها الجانب الصحي من خلال اعتماد تتبع  الجائحة وتعزيز البنيات الصحية الأساسية، والجانبان الاجتماعي والاقتصادي عبر تقديم مساعدات للفئات الهشة والمقاولات في وضعية صعبة، ثم الجانب النفسي من خلال توفير خدمات الإنصات وتقديم الدعم لمجابهة تداعيات الحجر والعزل على المواطنين، فضلا عن اعتماد مقاربة ذات حس بيداغوجي للتواصل، من خلال عرض الحصيلة اليومية لتدبير الجائحة ومكافحة الأخبار الزائفة.

الدعم الاجتماعي

في 14 أبريل  2021 ترأس جلالة الملك بالقصر الملكي بفاس، حفل إطلاق تنزيل مشروع تعميم الحماية الاجتماعية وتوقيع الاتفاقيات الأولى المتعلقة به.

هذا الورش الملكي الطموح يروم دعم العديد من الفئات الاجتماعية حيث يستفيد منه في المرحة الأولى، الفلاحون وحرفيو ومهنيو الصناعة التقليدية والتجار، والمهنيون ومقدمو الخدمات المستقلون، الخاضعون لنظام المساهمة المهنية الموحدة ولنظام المقاول الذاتي أو لنظام المحاسبة، ليشمل في مرحلة ثانية فئات أخرى، في أفق التعميم الفعلي للحماية الاجتماعية لفائدة كل المغاربة.

ويشكل هذا الورش ثورة اجتماعية حقيقية، من أجل تحسين ظروف عيش المواطنين، وصيانة كرامة جميع المغاربة، وتحصين الفئات الهشة، لاسيما في سياق ما أصبح يعرفه العالم من تقلبات اقتصادية ومخاطر صحية، و كذلك رافعة لإدماج القطاع غير المهيكل في نسيج الاقتصاد الوطني، بما يوفر الحماية للطبقة العاملة ويصون حقوقها، ومنعطفا حاسما في مسار تحقيق التنمية المتوازنة والعدالة الاجتماعية والمجالية تحت القيادة الحكيمة لجلالة الملك.

وفي إطار نفس العناية الملكية السامية، وسعيا لمواجهة التداعيات الصحية والاقتصادية والاجتماعية لهذه الجائحة، أعطى صاحب الجلالة تعليماته السامية للحكومة من أجل إحداث صندوق خاص لتدبير ومواجهة جائحة كورونا، الذي مكنت موارده من تمويل تدابير الدعم الاجتماعي واقتناء المعدات الطبية اللازمة .

تصنيع وتعبئة اللقاح

دخل المغرب  نادي كبار منتجي اللقاح المضاد لـ«كوفيد – 19»، ويضطلع بدور طلائعي في المعركة العالمية ضد فيروس كورونا المستجد، وذلك بإشراف جلالة الملك على توقيع اتفاقيات تتعلق بمشروع تصنيع وتعبئة اللقاح المضاد لكوفيد – 19، ولقاحات أخرى.

ويندرج ذلك ضمن مقاربة ملكية استباقية وتضامنية واستشرافية من خلال  توقيع اتفاقيات تتعلق بمشروع تصنيع وتعبئة اللقاح المضاد لكوفيد- 19 ولقاحات أخرى بالمغرب، فالمبادرة الملكية تروم جعل  المغرب منصة لإنتاج اللقاحات ضد كوفيد- 19 واللقاحات الأخرى لفائدة المغرب وإفريقيا وتحقيق مفهوم الاكتفاء الذاتي والسيادة الوطنية والأمن القومي للواجهة، بالإضافة إلى  أن المغرب ينتج ما بين 60 و70 في المائة من حاجياته، ويصدر لإفريقيا والعالم العربي وآسيا وأروبا 10 في المائة من إنتاجه، حيث مر إلى مرحلة إنتاج الأدوية الحيوية التي تضم اللقاحات وأدوية بيولوجية أخرى، يجعل صناعته الدوائية تتطور لضمان قدر أكبر من أمنه الصحي وسيادته.

ويهدف الشروع الذي تبلغ قيمته الاستثمارية الإجمالية 500 مليون دولار، إلى إنتاج اللقاح المضاد لكوفيد ولقاحات أخرى رئيسية بالبلاد لتعزيز اكتفائها الذاتي، بما يجعل من المغرب منصة رائدة للبيوتكنولوجيا على الصعيد القاري والعالمي في مجال صناعة «التعبئة والتغليف

بهذا تكون الرباط قد قطعت شوطاً إضافياً لبلورة رؤية الملك محمد السادس الرامية إلى ضمان تدبير فعال واستباقي لأزمة الجائحة وتداعياتها.

واعتبر متابعون أن هذه ليست مبادرة صغيرة أو جزئية، بل هي بمثابة تحول في الرؤية الصناعية بصفة عامة، وفي رؤية القطاع الصناعي الطبي بالمغرب بهدف جعله في قلب المنظومة العالمية لإنتاج وتسويق الأدوية، واللقاحات على الخصوص، مع التركيز على القارة الإفريقية، فإذا صنع المغرب هذه اللقاحات على المستوى الداخلي، فهو سيؤمن تكلفة شرائها من العملة الصعبة التي سيتم ضخها في النسيج الصناعي الطبي الداخلي.

النموذج التنموي الجديد

يوم الثلاثاء 25 ماي الماضي، قدم شكيب بنموسى رئيس اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي لجلالة الملك تقرير هذا النموذج، الذي يعتبر  حصيلة  أشهر من التفكير والنقاش والتفاعل مع مختلف الفاعلين السياسيين والاقتصاديين والمدنيين على المستوى الوطني والجهوي والمحلي، حيث وضع التقرير  عام 2035 كأفق لتحقيق مجموعة من الأهداف التي أجملها في عدة أرقام محورية، وذلك   بناء على التواصل مع أكثر من 9700 شخص بشكل مباشر، و 1600 من خلال جلسات الإنصات والاستماع و 8000 عبر آليات مشاورة واسعة النطاق.

ويروم التقرير الذي قدمه السيد بنموسى أمام أنظار جلالة الملك، إلى تطوير الاقتصاد الوطني، ليصل ناتج دخل الفرد سنويا إلى ما يُناهز 16 ألف دولار، وذلك على أساس يُعادل القدرة الشرائية، بالإضافة إلى  الرفع من نسبة الاستثمار الخاص ليصل إلى 65% من الاستثمار الإجمالي، و الرفع من عدد الشركات المًصدرة إلى 12 ألف شركة، و  الزيادة في عدد المقاولات الناشئة، لتصل 3000 مقاولة، وأيضا تسجيل ألف براءة اختراع سنوياً.

هذا وقد وضع النموذج التنموي الجديد صوب عينه قيمة العامل البشري من خلال  الوصول إلى نسبة تسعين بالمائة، من التلاميذ المسجلين في السنة الأولى من التعليم الابتدائي الذين أكملوا تعليمهم الإلزامي وحصلوا على شهادة التعليم الأساسي العام أو المهني.

ولم يغفل هذا التقرير جانب الصحي للمواطنين من أجل رفع نسبة الساكنة المشمولة بالمواكبة الطبية الأساسية إلى 100% في أفق سنة 2025، مع الرفع من الأطر الطبية المعالجة لكل 1000 نسمة لتصل 4.5.

ويرصد النموذج التنموي الجديد  التحديات والأولويات، وكذلك طريقة إحداث التغيير المتوقع بحلول سنة 2035، حيث أن المقاربة التشاركية جعلت الجنة تتمكن من تشخيص وضع الدولة كما يراه المواطنون والفاعلون، مع إبراز الإنجازات والتوقعات والتطلعات.

ووضع النموذج صوب عينه،  بالإضافة  لما تم ذكره، سياسة مالية مرنة تتماشى مع الأهداف المسطرة، وتندرج في الدينامية المتوسطة والطويلة المدى التي يتطلبها أي نموذج تنموي. سياسة جبائية أكثر نجاعة كفيلة بالتمكين من تعبئة موارد إضافية ، تقدر إمكاناتها بما يتراوح بين 2 و 3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. البدء السريع في التحول الهيكلي للاقتصاد، القادر على خلق موارد متوسطة المدى تسمح باستدامة النموذج، في ظروف مواتية لزيادة الاستثمار الخاص الوطني والدولي، من خلال إطار للاستثمار الجذاب وتنويع آليات وأنظمة التمويل لخدمة التحول .

فهذا الرهان الذي يواجه مغرب الغد هو بالتالي القيام  بقطيعة حقيقية » ليس فقط مع نموذج التنمية القديم الذي أظهر محدوديته ، لاسيما مع  الممارسات السيئة التي تقوض إلى حدود اليوم تحقيق قفزة نوعية في البلاد.

الديبلوماسية ومسار الوحدة الترابية

لقد افتتح المغرب عدة قنصليات لدول أجنبية في الأقليم الجنوبية، الشيء الذي  يكرس الوحدة الترابية للمملكة

فهذا الافتتاح الكاسح لمجموعة من القنصليات العامة من قبل العديد من الدول الإفريقية في المدن الكبرى للصحراء المغربية أصبح واقعا لا رجعة فيه يكرس الوحدة الترابية للمغرب ويؤكد الدعم الصريح لهذه الدول لسيادة المملكة على أقاليمه الجنوبية.

ولا شك أن افتتاح تمثيليات دبلوماسية إفريقية في الصحراء المغربية يشكل نكسة حقيقية ليس فقط لجبهة البوليساريو بل أيضا لعرابتها الجزائر،  ففي أقل من شهرين افتتحت دول جزر القمر والغابون وساو تومي وبرنسيبي وجمهورية إفريقيا الوسطى وكوت ديفوار قنصليات لها في العيون، في حين افتتحت غينيا وغامبيا تمثيليتين دبلوماسيتين لهما في مدينة الداخلة بالإضافة إلى دول أخرى عربية، و تحولت الأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية، وخاصة مدينتي العيون والداخلة، إلى حاضرتين للدبلوماسية الدولية، وذلك من خلال احتضانهما لحوالي 17 قُنصلية لدول من شتى قارات العالم.

وحققت الرباط نصراً دبلوماسياً ساحقاً على دُعاة الانفصال، سواء من خلال فتح 17 قُنصلية بالأقاليم الجنوبية، أو عبر تحرير معبر الكركرات.

ومن الواضح لمتتبع الديبلوماسية المغربية أن المملكة تفاعلت مع متغيرات إستراتيجية دولية فرضت موازين قوى جديدة حاولت استثمارها لخدمة مصالحها الراسخة، إبان تفشي جائحة “كورونا” بالعالم، ما دفع الدبلوماسية المغربية إلى نهج “سياسة الندية”، وبدا ذلك واضحا من خلال الأزمة الدبلوماسية مع ألمانيا وإسبانيا.

فالمغرب في الآونة الأخيرة مر إلى استعمال مقاربة صارمة تجاه بلدان الجوار، نظرا إلى المساس بقضيته المقدسة المتعلقة بالصحراء، ومحاولة بعثرة أوراقه الرابحة في الأزمات الإقليمية، ومعاكسة وحدته الترابية، وسيادته على أقاليمه الجنوبية، حيث لم يعد من الممكن الارتكان إلى مواقف ازدواجية، ومر المغرب بذلك إلى الوضوح في المواقف، دون الهروب إلى الأمام.

الإعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء

في نهاية السنة الماضية حقق المغرب نجاحا  دبلوماسي هاما، بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، بمواصلة المسير على درب الوحدة الترابية للمملكة وسيادتها الشرعية على صحرائها، وشكل هذا الاعتراف الأمريكي منعطفا حقيقيا ورسالة واضحة بخصوص النزاع المفتعل الذي عمر عقودا من الزمن.

وتزامنا مع هذا الاعتراف التاريخي، وبعد مباحثات دبلوماسية عميقة، ومن خلال الاتصالات، وتبادل الوفود، وعدد من الزيارات غير الرسمية، أصدر الرئيس الأمريكي مرسوما رئاسيا، بما له من قوة قانونية وسياسية ثابتة، وبأثره الفوري، يقضي باعتراف الولايات المتحدة الأمريكية، لأول مرة في تاريخها، بسيادة المملكة المغربية الكاملة على كافة منطقة الصحراء المغربية، وتحت القيادة الملكية الرشيدة ساهم المغرب في تقديم   دليلا، على عدالة قضيته والشرعية التاريخية لحقوقه وسيادته على أقاليمه الجنوبية.

ومما لا شك في أن العاشر من دجنبر 2020، سيبقى  يوما أسودا في التاريخ الجبعة الإنفصالية وكل أعداء الوحدة الترابية للمملكة، حيث أن قرار الولايات المتحدة الأمريكية  ضربة قاصمة للمشروع الخبيث والمشترك للجزائر و”البوليساريو” لتقسيم المغرب واقتطاع جزء كبير من ترابه الغالي والنفيس الذي ضحت من أجله أجيال من أبناء ورجال ونساء هذا الوطن.

ولا شك كذلك أن الإعتراف الأمريكي كان  إقبارا نهائيا للحلم الوهمي الذي ظل يراود الجزائر وصنيعتها « البوليساريو »، وتعتبر الولايات المتحدة أن « دولة صحراوية مستقلة ليست خيارا واقعيا لتسوية النزاع »، وأن حكما ذاتيا حقيقيا في إطار السيادة المغربية هو « الحل الوحيد الممكن ».