ضرب مصحات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ضرب للأمن الصحي للمواطن المغربي


ضرب مصحات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ضرب للأمن الصحي للمواطن المغربي

المغرب 24 : محي الدين أمهاوش

من الواضح أن سؤال الصحة بالمغرب كان وما يزال مقلقا بإجماع الرأي العام المحلي والجهوي والوطني، وكأن القطاع أصابه نزيف مزمن لم تتمكن التدخلات والإسعافات من إيقافه إلى حدود الساعة، ليظل المواطن المغربي الخاسر الأول، يتحمل التبعات، ومهدد أمنه الصحي على الدوام..

ولعل أزمة مصحات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي التي طفت على السطح مؤخرا وبشكل خطير، وتتبع الرأي العام مسلسلها المتواصل عبر مختلف وسائل الإعلام ووسائط الاتصال والتواصل الجديدة، من أنسب البراهين على الأزمة.. هذه المصحات الثلاث عشرة المتعددة التخصصات بمختلف ربوع المملكة، وتتواجد ثمانية منها بجهة الدار البيضاء وحدها، والتي تم الشروع في إنجازها سنة 1979 بحكمة وتبصر الراحل الملك الحسن الثاني، لتصبح مؤسسات صحية و علاجية مشيدة بأموال العمال المأجورين.
وفي إطار ربط المسؤولية بالمحاسبة، يقول جلالة الملك محمد السادس في إحدى خطبه المرجعية: إن من حق المواطن أن يتساءل: ما الجدوى من وجود المؤسسات، وإجراء الانتخابات، وتعيين الحكومة والوزراء، والبرلمان والولاة والعمال، والسفراء والقناصلة، إذا كانوا هم في واد، والشعب وهمومه في واد آخر؟… ويضيف: لكل هؤلاء أقول كفى، واتقوا الله في وطنكم… إما أن تقوموا بمهامكم كاملة ، وإما أن تنسحبوا، فالمغرب له نساؤه ورجاله الصادقون، ولكن هذا الوضع لا يمكن أن يستمر، لأن الأمر يتعلق بمصالح الوطن والمواطنين. وأنا أزن كلامي، وأعرف ما أقول…
وهو القائل أيضا: “وستجدني شعبي العزيز، كما عهدتني دائما، خديمك الأول، الحريص على الإنصات لانشغالاتك، والتجاوب مع مطالبك، والمؤتمن على حقوقك ومقدساتك”. من نص الخطاب السامي الذي وجهه بمناسبة الذكرى الـ19 لتربع جلالته على عرش أسلافه المنعمين.
والمواطن المغربي صار مدركا، أكثر من أي وقت مضى، حقوقه المشروعة، والإسراع بالمطالبة بها، تحت الرعاية الملكية الضامنة الإنصات لانشغالاته.. حتى يتحقق المبتغى: “العدالة أولا وأخيرا هي التي تؤدي إلى انتصار الحق بواسطة القانون وليس إلى ضياع الحق باسم القانون”..
وبالتالي فهو يعي بإن مصحات الضمان الاجتماعي، تلعب دورا حيويا في حفظ الأمن الصحي الذي تقدمه لما يقارب مليون مواطن على الصعيد الوطني، ليست للبيع ولا الخوصصة، وأن الحكومة المغربية وإدارة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والمجلس الإداري والمجتمع المدني، كل مطالب بتحمل مسؤلية الحفاظ على هذه المصحات التي تعد مكتسبا وطنيا وملاذا حقيقيا له من ضعف خدمات المستشفى العمومي من جهة، ومن فاتورة المصحات الخاصة من جهة أخرى، فأقل ما يمكن أن يقال عنها أنها ليست في متناول معظم المغاربة.
دقت الجامعة الوطنية لمستخدمي الضمان الإجتماعي ناقوس الخطر بشأن مستقبل الثلاث عشرة مصحة التابعة للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، بسبب سوء التسيير والتسيب الإداري ومركزية القرار والشطط في استعمال السلطة وبعض القرارات الحكومية التي ساهمت في تأزيم الوضع، كما أكدت بعض المصادر أن مستقبل هذه المصحات يلفه الغموض، ووصفت الوضعية الراهنة بالمتردية، مؤكدة على سوء التسيير الإداري و نوع من الفوضى والعبث مشددة على أن هناك خصاصا كبيرا في الأدوية والمعدات الطبية، مما يضطر عدد من مرتادي هذه المصحات إلى إجراء العمليات في مصحات خاصة وبأثمنة تفوق قدرتهم الشرائية.
وحسب المصادر ذاتها، فإن هناك سيناريوها خطيرا يتم إعداده قصد تفويت هذه المصحات إلى القطاع الخاص في إطار سياسة التفويض، أكدت عليه النقابات، مماا سيؤدي إلى ضرب الرمزية التاريخية لإنشاء تلك المصحات، والرفع الصاروخي أوتوماتيكيا من قيمة الإستشفاء والتطبيب وعدم الإلتزام بالتعرفة الوطنية.
وأشارت إلى أن أزمة مصحات الضمان الاجتماعي ليست سوى جزء من الأزمة العامة التي يعيشها الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ومن فشله حتى الآن في تدبير كثير من الاختلالات، الوفاء بتعهداته، خاصة ما يتعلق بتعميم التغطية الصحية الإجبارية، التي لم تتجاوز نسبة استفادة المغاربة منها 40 في المائة، رقم قابل للتقليص مستقبلا في ظل غياب الآليالت التي تمكن المغاربة من الاستفادة منها، علاوة على هزالة تعويضاتها، إذ أنها لا تتعدى ربع ما يصرفه المستفيد على العلاج في القطاع الخاص، فالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي يعتمد مرجعية في صرف التعويضات لا تتناسب مع تكاليف العلاج بالمصحات الخاصة، حيث يؤدي ما معدله 400 درهم للفحص عند طبيب متخصص، وأكثر من 900 درهم مصاريف الأدوية، فيما لا يحصل المستفيد سوى على ربع المبلغ كتعويض، لارتفاع تكاليف العلاج بالمصحات الخاصة، وضعف التعرفة الوطنية.
وأمام المنعطف الخطير الذي آلت إليه مصحات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، والوضعية الكارثية التي أصبحت عليها خدماتها وتجهيزاتها ومواردها البشرية.. وهي المؤسسات الصحية التي كانت تمثل إلى عهد قريب جوهرة المنشآت الصحية ببلادنا، بشهادة منظمة الصحة العالمية، كما كانت رائدة في المجال، تخففت من عبء الحاجيات الصحية عن الدولة نفسها..
أصدرت مؤخرا الجامعة الوطنية لمستخدمي الضمان الاجتماعي بلاغا استنكاريا قررت فيه خوض إضراب عام احتجاجي بكافة مصحات الضمان الاجتماعي بمختلف الجهات، يوم الخميس 23 ماي 2019، مع تنظيم وقفة احتجاجية أمام جميع هذه المصحات صبيحة يوم هذا الإضراب .كما قررت، وفي إطار وحدة الموقف النضالي، بأن يحمل المستخدمون والمستخدمات بالنظام العام يوم هذا الإضراب شارة الاحتجاج تعبيرا عن تضامنهم واستعدادهم لخوض المعركة مع إخوانهم في المصحات دفاعا عن حقوقهم المشروعة.
شارة سوداء، في أولى الإشارات وأقواها استحضار تبصر وحكمة الملك الراحل الحسن الثاني، وفي أرقى وأعظم تعابير الترحم عليه، مبادرة رمزية تربط بين الماضي والحاضر، وتحيل على مبدإ ربط المسؤولية بالمحاسبة. وعلى الجميع أن ينخرط في قيم الوحدة والتضامن والتكافل، وإنداحها وإيصال الرسالة الهادفة.
كما أكدت الجامعة في بلاغها أنها لن تقف مكتوفة الأيدي أمام التراكمات السلبية للسياسة اللااجتماعية واللامهنية والوضعية الكارثية التي أصبحت عليها خدمات مصحات الضمان الاجتماعي، ، بل تعلن احتجاجها الشديد على هذه الحالة وتسجل استياءها وتنديدها بالسياسة التي أدت الوضعية .
وتثير انتباه كافة المسؤولين المعنيين بها مع ضرورة تحمل المسؤولية كاملة في إنقاذ هذه المصحات من الانهيار، لأنه، وفي حالة عدم ظهور بوادر لحل المشاكل المطروحة والمستعجلة، ستكون مضطرة لخوض معركة أوسع بقطاع الضمان الاجتماعي ستشمل المصحات والنظام العام وذلك بالإضراب العام يوم الخميس 30 ماي2019 .

مقالات ذات صلة