“سكتة قلبية” تهدد قطاع إنتاج الحليب الخام في المغرب


“سكتة قلبية” تهدد قطاع إنتاج الحليب الخام في المغرب

يبدو أن الشركات المصنعة للحليب ولمشتقاته تسير في اتجاه التخلي بشكل جزئي أو كلي عن الحليب الخام، وذلك عقب سياسة تحرير استيراد الحليب المجفف بشكل رفع إقبال بعض المصنعين على استيراد هذا الأخير مقابل تقليل الطلب على الحليب الخام، ومن تم تخفيض سعر استلامه لدى المنتجين. لكن الخطير في هذا أن القطاع أضحى برمته على حافة الانهيار، حيث إن المنتجين يعانون أصلا من ارتفاع تكلفة الإنتاج‪‬ وهو ما يعمق أزمتهم. ستحاول مجلة “المحيط الفلاحي” من خلال هذا الربورطاج الكشف عن الكثير من المعطيات الرقمية والتحليلية بخصوص هذا المشكل، خاصة بالنسبة إلى المنتجين الذين أصبحوا مهددين في مصدر معيشهم في قطاع أبسط ما يقال عنه أنه “غير مهيكل” بالشكل المطلوب علما أنه يوفر آلاف مناصب الشغل التي أضحت مهددة بسبب اعتماد المصنعين على الحليب المجفف المستورد وأن إقبالهم حاليا على الحليب الخام يبقى ضئيلا جدا على الرغم من وجود بعض الاتفاقيات التي تلزمهم باقتناء الحليب من المنتجين.

قطـــاع حيــوي…يــحتضر

شكل قطاع إنتاج الحليب رافعة للتنمية الفلاحية على مدى العقدين الماضيين في المغرب، حيث إنه يوفر مناصب شغل لأكثر من 460.000 منصب شغل دائم وهو يحقق رقم معاملات إجمالي بقيمة 8 ملايير درهم في السنة. ويطمح مخطط المغرب الأخضر الذي نهجه المغرب إلى إعطاء استراتيجية متكاملة و مندمجة لتنمية القطاع الفلاحي برمته، حيث يروم إلى إنتاج 4 ملايير لتر من الحليب سنويا أي بزيادة 1.55 مليار لتر مقارنة مع سنة 2015.‪ ‬

unnamed-3

ويعتبر هذا القطاع من أهم القطاعات الإنتاجية التي تتماشى تماما مع أهداف المبادرة الوطنية للتنمية الاجتماعية لأنه يعزز إدماج الساكنة الفقيرة والمعوزة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية. كما أنه يعتبر من السلاسل الإنتاجية الخلاقة للمشاريع المدرة للدخل والتي تشجع على الاندماج في إطار تعاونيات ومجموعات ذات نفع اقتصادي‪. ‬وبفضل قدرة هذه السلسلة الإنتاجية على التحول إلى رافعة تنموية قوية فقد استطاعت تعاونية “كوباك” في جهة سوس ماسة أن تحقق نموا سريعا جدا، حيث تمكنت في ظرف عقدين فقط من مواكبة أكثر من 15000 فلاح، في ظل شح المياه وغياب المراعي، لصنع ثروة جعلت أجيالا جديدة من الفلاحين تستقر بقراهم وتساهم في كتابة أنجح قصة للاقتصاد التضامني في المغرب‪.‬ قصة النجاح هاته باتت اليوم مهددة بنهاية مأساوية تحت طائلة التحول الجذري الذي يعرفه القطاع مؤخرا، والتي بدأت نُذُرها تظهر من خلال أرقام وزارة الفلاحة والصيد البحري. فبعد ارتفاع متسارع في عدد رؤوس أبقار جهة سوس ماسة الذي بلغ قرابة 149 ألف رأس سنة 2008 فقد تراجع هذا الرقم باطراد إلى أن وصل إلى 114 ألف رأس سنة 2015 بحسب وزارة الفلاحة. ويرجع هذا الانخفاض الكبير في عدد الأبقار إلى بيع أغلب المنتجين لبعض أبقارهم لتغطية العجز المالي الذي يعانون منه فضلا عن اختفاء عدد من الوحدات الإنتاجية التي أعلن أصحابها إفلاسهم.

مشــاكل مـالية

وجد عدد من المنتجين والمربين للأبقار صعوبة بالغة في الاستمرارية وهو ما حدا بهم إلى إنهاء تجربتهم هذه أو إلى خفض أعداد الأبقار. “المحيط الفلاحي”  استقت آراء عدد من المربين وأكدوا لها أن تضاعف تكلفة اليد العاملة والطاقة والأعلاف الخشنة بمقدار مرتين على مدى العقدين الماضيين وكذا ارتفاع تكلفة الأعلاف المركزة والأدوية البيطرية والتلقيح الاصطناعي بما يعادل 50 في المائة كان أهم أسباب “فشل” أو “بداية فشل” لتجربتهم التي كانوا يمنون النفس أن تكون ناجحة بكل المقاييس وأن تلقى دعما من طرف وزارة الفلاحة . كما أن تراجع ثمن بيع الحليب مقارنة بمستوى التضخم الذي يعرفه المغرب والذي يعادل 2 في المائة على مدى 20 سنة الماضية بسبب سياسة الحكومات المتعاقبة في تثبيت سعر الحليب عند الاستهلاك وتراجع سعر استلام الحليب من طرف المصنعين هذه السنة بحوالي 10 في المائة مقارنة مع السنة الماضية كان سببا في هذا الضمور، بل إن الأمور قد تسير في اتجاه أسوا في حال لم تتدخل الوزارة لتحد أو تخفف من الأعباء على المنتجين الذين أفلس بعضهم فيما يوجد آخرون على حافة الإفلاس. بعض المنتجين أكدوا لـ”المحيط الفلاحي” أن اعتماد بعض الشركات المصنعة بشكل مفرط على الحليب المجفف لرفع إنتاجيتها من مشتقات الحليب أدى إلى اختلال توازن العرض والطلب واحتدام المنافسة بين المصنعين في مراكز التسوق مما أدى بدوره إلى انخفاض ثمن بيع مشتقات الحليب بنسبة 25 في المائة. كما أن التعاونيات المصنعة، التي تعتمد 100 في المائة على الحليب الخام الوطني كمصدر لمنتجاتها، اضطرت بدورها إلى مواكبة الشركات المصنعة التي تستخدم الحليب المجفف المستورد، مما يضطرها إلى خفض ثمن استلام الحليب من المنتجين. يقول ابراهيم الحجوجي (فلاح كساب من منطقة بيوكرى):” أصبح القطاع برمته مهددا بخطر حقيقي لأن الأزمة الحالية لا يبدو أنها ستكون عابرة إلا إذا تدخلت الدولة لرفع ثمن الحليب الخام”.

اقتصاد تضامني على حافة الانهيار

على الرغم من المجهودات التي تقوم بها الدولة من خلال مخطط المغرب الأخضر الذي جاء اعتبارا لأن القطاع الفلاحي يصنف كأهم محرك لمحركات تنمية الاقتصاد الوطني، عن طريق تأثيرها القوي على معدل نمو الناتج الداخلي الخام، وخلق فرص العمل، وإنعاش التصدير ومحاربة الفقر ، إلا انه في السنوات الأخيرة أصبح القطاع على حافة الانهيار بسبب المنافسة غير المتكافئة بين المصنعين المستوردين للحليب المجفف من جهة، وبين التعاونيات المصنعة التي تسوق الحليب الوطني من جهة أخرى، مما أدى إلى انخفاض السعر الذي يتقاضاه المنتجون مقابل الحليب. يقول قبيل ياسين(كساب من منطقة بني ملال):” وضعنا دراسة لمشاريعنا اعتبارا لأن ثمن بيع الحليب يفوق 4 دراهم، ولكن أصبحنا نبيع الحليب بثمن أقل من تكلفة الإنتاج ونتكبد خسائر كبيرة. اليوم و بعد أن أصبحنا نعاني من مشاكل و خسائر عديدة أصبحنا نفكر جديا في إيقاف المشروع”. لا ثمن الحليب ولا ثمن اللحوم يستجيب لانتظارات المنتجين الذين أصبحوا يعانون كثيرا في قطاع هش جراء نقص المردودية الاقتصادية لأنشطتهم ليظل السؤال المطروح هل ستتدخل وزارة الفلاحية والصيد البحري على خط مشاكل المنتجين لحمياتهم خاصة بعدما أصبح المصنعون يعتمدون على الحليب المجفف أم أنها ستقف موقف المتفرج على قطاع كان إلى وقت قريب يعتبر نموذجا للاقتصاد التضامني وعلى منتجين يتهددهم الإفلاس صباح مساء؟

مشاريع ذاتية ..بداية النهاية

بسبب ما آلت إليه أوضاعهم المالية والتراجع الكبير للربح على حساب ارتفاع النفقات وبسبب كساد منتوجاتهم من الحليب رغم مجهوداتهم الذاتية وإغراقهم في القروض البنكية لإنجاح تجاربهم فإن الواقع اليوم يبدو حالكا للكثير من حاملي المشاريع الذاتية لتربية الأبقار وإنتاج الحليب بعدد كبير من المناطق في المغرب بسبب الديون التي تراكمت عليهم والتي قد تنتهي بهم وراء السجون، حيث في الوقت الذي جمد فيه الكثير منهم مشاريعهم هذه يسير آخرون على المنحى نفسه مادامت وزارة الفلاحة والصيد البحري لم تتدخل إلى حدود الآن من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه. عمرو وفقي فلاح كساب  (صاحب مشروع لتربية وإنتاج الحليب بمنطقة سلا الرباط) يسير في اتجاه وقف مشروعه الذي كان يمني النفس بأن يكون ناجحا إلى أبعد الحدود. يقول عمر في تصريحه للمحيط الفلاحي :” لقد تضرر الفلاحون من احتكار بعض الشركات لعملية جمع الحليب الخام. باستطاعتها فرض الثمن الذي تريد، وفرض الكوطا، بل واشتراط مستوى عال من الجودة يكاد يكون تعجيزيا، مما يثقل كاهل الفلاح بمصاريف إضافية”.

unnamed

وأضاف :” طالما أن هذه الشركات تستطيع استيراد الحليب المجفف بكثرة، فسيستمر مسلسل إفلاس العديد من الضيعات. حتى أنني كشاب حامل لشهادة عليا بدأت أفكر في التخلي عن المشروع”وبالنسبة لفنان محمد  (كساب من اشتوكة أيت باها بإقليم أكادير):” الأفق بات مسدودا وأنا أتخوف كثيرا من المنحى الخطير الذي بدأت تؤول إليه الأمور. ما أن نستفيق من صدمة تخفيض ثمن الحليب الخام حتى نتفاجأ بإعلان التعاونية عن تخفيض جديد. هذا في الوقت الذي أستقبل فيه أبقارا مستوردة حيث اعتمدت في دراسة الجدوى، التي حصلت بموجبها على قرض من إحدى المؤسسات البنكية، على سعر السنة الماضية. أنا الآن أتخوف من الإفلاس؟” وفي تصريح لـ”البودرقاوي مولاي عبد المجيد وهو كساب من منطقة تارودانت”:كنا نعاني من العجز لأن ثمن الحليب لا يكفي لتغطية تكلفة الإنتاج في ظل سنوات الجفاف وارتفاع أسعار الأعلاف أما الآن وبعد انخفاض ثمن الحليب فإن أغلب الفلاحين بدؤوا يفكرون في بيع أبقارهم لوقف نزيف الخسائر وأداء بعض ديونهم المتراكمة بل ومنهم من افرغ الإسطبلات وأغلق أبوابها”.

وزارة الفلاحة والصيد البحري  مطالبة اليوم وأكثر من أي وقت مضى بالتدخل لإنقاذ –ليس فقط أصحاب هذه المشاريع- بل لإنقاذ المخطط الأخضر الذي جاء كمشروع طموح يرمي إلى تحسين القطاع الفلاحي وإخراجه من نمطه العشوائي مع مواكبة تضامنية للفلاحة الصغيرة والعصرنة التضامنية للفلاحة الصغيرة بغية محاربة الفقر و إدماج هذه المحاور داخل استراتيجية مندمجة للتنمية القروية وتطوير موارد بديلة للمداخيل.

المحيط الفلاحي : عادل العربي 

مقالات ذات صلة

Show Buttons
Hide Buttons