آخر الأخبار

حسيكي يكتب .. حياة والدي القرآنية


حسيكي يكتب .. حياة والدي القرآنية

بقلم : محمد حسيكي

الفصل أ :

يكتسي الموضوع فصلين متكاملين من الحياة العامة التي عاش عليها والدي، وتربى فيها من وسط الجماعة، تربية قائمة على حفظ النسب من الدين والمجتمع .

إذ بداية ينسب المغاربة من التاريخ الاسلامي نسب اهل الجماعة، قراءة ورواية، من عهدهم بالإسلام الى عهدهم بالاستقلال، الذي يزكي وجودهم التاريخي والسيادي من بين المجموعة الدولية، التي عرفتهم أهل بلد من المحلية والوطنية والاممية .

وإن تغيرت شكليات الحياة الاجتماعية لدى الساكنة من مواكبتها للحياة الدولية، فإن تاريخها يشكل استمرارية لوجودها، الذي ينبع من إيمان اجتماعي لا انفصام فيه .

ورجوعا الى الحياة العلمية التي عاش عليها الآباء والأجداد، فقد كان تعليمهم شرعيا من اللغة والأدب، يدبر حياتهم الجماعية من الدين الاسلامي، والنظام الاجتماعي .

ومن تم كان التعليم العتيق في عهد والدي من عهود تاريخية، يختلف من طرق التلقين والمنهجية، عن التعليم المستقبلي الحديث الجاري على العصر المعاصر .

ومن الوجهة العلمية كل تعليم اجتماعي، من وجهه التراثي وكذا الحداثي، كالحياة الوضاءة من شمس وقمر، إذ التعليم العتيق في طيه حديث من طينة معنوية، والتعليم المستقبلي وإن من طينة مادية غير مختلف من الوجهة الانسانية، امتثالا لقول الله تعالى : لا تنس نصيبك من الدنيا .

التعليم الشرعي :

ينسب التعليم الشرعي الى العلوم الدينية، بدءا من قراءة القرآن وما ينحو نحوها من علوم الشرع واللغة والأدب، ومن علاقتها بالقرآن تسمى من لسان الجماعة القراءة .

وحين يرقى القارئ نحو العلوم الأخرى، ويتبوأ من التحصيل مكانة تصاعدية من الدراسة، يكرس فيها حياته على التحصيل العلمي يسمى عالما .

لذلك كانت القراءات القرآنية تسمى قراءة، والعلوم المنتسبة لها تسمى علما، والعلم عند الامام نافع : صدقة جارية، كما في الحديث الشريف .

أما التحصيل القرآني فيبتدئ من سن الصغر عند تعلم حروف اللغة، وتصويب النطق من اللساني الى اللغوي بجامع الجماعة، من تعلم القراءة والكتابة حفظا واستظهارا، يسهر على التعليم بالجامع فقيه الجماعة من رتبة طالب .

والطالب الفقيه من وجهة اشتغاله، يتعاقد مع الجماعة على أجر سنوي مشروط الأداء على الجماعة، مع تقديم وجبات طعام يومية، مرتبة على الأجر يؤديها من الجماعة كل رب اسرة، له القدرة على الاداء والاطعام .

الجامع القروي :

حين خروج العرب من اوروبا، حل بالمغرب أهل الأندلس، وبعد نزولهم من مدينة فاس اجمعوا على علم أهل أم القرى، فتأسس من الدين والعلم جامع القرويين، واتخذوا منه العلم منهجا للتدريس، تعمم منه التعليم على البلد، على منهج أهل أم القرى .

ومن تم انتشر في كل مناطق التجمع السكاني جامع قرآني، تؤدى به الجماعة الصلاة اليومية، ويتعلم فيه الناشئة القراءة والكتابة، آيات وسور من القرآن الكريم، ومن فاته سن القراءة، يستوجب عليه التعلم والتحصيل بالمشافهة، آيات وسور لتأدية الصلاة، الجارية من الدين على الرجال والنساء من عامة الساكنة.

الجامع في الاصطلاح الاجتماعي :

مكان جمع جماعي من الدين الاسلامي، لتأدية الفريضة الدينية من الصلاة اليومية، المبنية على الطهارة، وإمام من الجماعة يؤم الجماعة من وقت الصلاة، والسهر على تعليم القراءة لجمع الأطفال المحضرة، تربية وعلما للحياة الاجتماعية.

ويحمل الجامع من الساحة الاجتماعية اسماء استدلالية من الساكنة، نتطرق لها بالأسامي التالية :

الجامع :

اسم عام من الجماعة يطلق على مكان العبادة والعلم من القرية، ومن المدينة، ينسب عمرانه من القرية والخدمات الجارية عليه الى الجماعة، وبالمدينة الى نظارة الأوقاف والشؤون الاسلامية .

الحضر :

يطلق على المكان الذي يتولى منه الفقيه، تعليم الأطفال نهارا القراءة والكتابة من الوسط الحضري، والمراجعة اللغوية ليلا وهو محل خاص باشتغال الفقيه من عمل حر، لا يخضع لقواعد الشرط مع الجماعة، إذ الصغار يتعلمون مقابل عوائد مالية لمرتين في الأسبوع.

أما الراغبين في المراجعة اللغوية الليلية فتحدد واجباتهم المادية في نصف درهم في الأسبوع .

المسيد :

يتخذ اسمه المكاني، من شخص الفقيه المسيد بالجماعة من مسمى السيد، والذي يجري عليه من اللسان نعم السيد الفقيه الطالب، من القول السي فلان، وهو القائم على تعليم القراءة والكتابة للناشئة، من المرحلة التعليمية .

المسجد :

جامع كبريات الحواضر، يتوسط بنيانه محراب الامام، كما تعلو سقفه سماعة الآدان من صومعة، يحتوي من داخله منبر الجمعة، وخزانة مصاحف قرآنية، وكرسي علم لدراسة العلوم الدينية، من سند الحديث: من يريد الله به خيرا يفقهه في الدين .

ومن المسجد كان الأولون من اهل الجماعة يتولون مبايعة السلطان خلفا عن سلف من عهود الخلفاء الراشدين تحت اسم أمير المؤمنين، من المقام الديني والعلمي على الكرسي العلمي بالمسجد، والقراءة قراءة السجدة، كما يدعون له من الصلاة ومنبر الجمعة .

يؤدي المسجد بالمغرب الوظيفة الدينية والاجتماعية، ويسهر على وظيفته العامة القائمون على الخدمة به، والرعاية لحاجياته وأهله بالمصالح الحبسية من املاك الوقف الاسلامية .

سكن الجماعة :

من البيئة الجماعية، عاش والدي مع اهله وترعرع من السكن الجماعي بالوسط القروي من وسط طبيعي، إذ تربى واشتغل على الفلاحة وتربية الماشية من اراضي فلاحة موسمية، يحكمها من الوسط الجماعي الارث الشرعي الجاري به العمل من الدين الاسلامي، كما يجري على انتاجها الفلاحي من الحق العام العشر من الانتاج، لفائدة الطبقة الفقيرة والمعوزة، وعلى تنامي اعداد الماشية، الزكاة الاسلامية من مرور الحول .

يحمل السكن من المناطق القروية اسم دور أهل الجماعة، تطور السكن لديها من خيام متنقلة، الى أكواخ منسوجة من القصب والبروم الزراعية، مسيجة المساحة بالحجارة والأشواك البرية، ثم بعد ذلك الى بناءات محلية باللوح من باطن التراب، كما تطور البناء من الاستقرار الاجتماعي الى الآجور الترابي والحجارة والملاط المحلي بدل الأكواخ والحجارة والأشواك .

وعصر الكهربة القروية والتزود بالمياه المعالجة، وإنجاز المسالك الطرقية، تحسنت نوعية السكن باستعمال الاسمنت ومواد البناء الحديثة.

ورجوعا الى السكن من نشأته الجماعية، كان يلتف من شكل دائري حول الجامع القرآني الذي تحيطه المحطات السكنية، ووراءها القطيع الحيواني، وفيما يتعلق بمخازن الحبوب فتخزن جماعية من المرسى البري، المكون من مجموعات اطمار جوفية مطمورة من الارض، قريبة الى طرق القوافل التجارية التي تنتقل بين المراسي الساحلية والمراسي البرية من المناطق القروية، عهد مقايضة المواد التجارية بالمنتوجات الفلاحية .

وتبعا لتواجد الجامع من وسط الجماعة، هناك فرع من بنيان الزاوية الدرقاوية، تحتوي بساحتها الفسيحة مزارا يقصده العموم عملا بالنية وطلب الحاجة، كما يحتوي البنيان على مخازن للمواد الفلاحية، وسكن الشريف من وقت زيارته وحلوله ضيفا على الجماعة، والتي تمنحه من اراضيها قطعا ارضية للاستعمال الفلاحي، تقدم منها الجماعة الخدمة الفلاحية للزاوية في إطار عملية التويزة الموسمية من الحرث والحصاد، وجمع المحصول الموسمي .

والزاوية في المصطلح الاجتماعي ركن من اركان الذكر والعبادة والعلم، يخضع تأسيسها الى ظهير سلطاني، يحمله اهل العلم والورع والتقوى، والطاعة لولي الأمر والدعوة الدينية الى اصلاح الأحوال العامة والتآلف بين أهل الجماعة، على ما كان عليه حال الأولون من الآباء والأجداد .

تقدم الزاوية خدمات دينية من الوعظ والارشاد الى العموم في شكل ورد صوفي للفرد الملتزم بالطريقة وقواعد عملها من الشريعة، وكذا أذكار من قراءة جماعية يجري ترديدها بالجهر الجماعي حين الجمع العام من مقر الزاوية، من موسم سنوي، أو معروف جماعي حين زيارة الشريف للجماعة .

يتبع

مقالات ذات صلة