جهات متطرفة تبحث عن جواز الاحتجاج

من يمعن التدقيق في الدعوات الفايسبوكية المتواترة التي تحرض على الاحتجاج ضد إجبارية جواز التلقيح، يخرج بقناعة راسخة ويقينية مؤداها “أن المبتغى الحقيقي من وراء هذه الدعوات ليس هو الاحتجاج ضد جواز التلقيح، وإنما هو خلق توترات اجتماعية من خلال إذكاء التدافع الجماهيري العرضي نحو الشوارع العامة”.

فالذي يحتج (في الحقيقة) عن جواز التلقيح لا يصف هذه الوثيقة الصحية بأنها “جواز المخزن” أو “جواز الاستعباد” أو “جواز التكليخ”، كما ورد في العديد من المحتويات الرقمية المنشورة، وكأن المغرب هو البلد الوحيد في العالم الذي اعتمد جواز التلقيح كآلية احترازية لضمان عدم تفشي الجائحة الصحية.

والذي “يناضل” حقا من أجل عدم إجبارية جواز التلقيح لا يطالب بإسقاط اللجنة العلمية التي تسهر على تقديم المشورة العلمية لمكافحة الجائحة الصحية، ولا يدعو لإسقاط وزارة الصحة كما طالب أحد المحرضين في شريط منشور على وسائط الاتصال الجماهيري.

والذي يحتج كذلك ضد جواز التلقيح، أملاً في صون الصحة العامة كما يزعم في الظاهر، لا يسعى إلى تحريض الإلتراس ومشجعي الفرق الرياضية ليضمن حشودا هادرة في الشوارع العامة، ويبحث جاهدا عن فتيل لهيب ليشعل الاضطرابات والمواجهات المجتمعية المقوضة لمرتكزات النظام العام.

والذي يحتج ضد إجبارية جواز التلقيح لا يتدثر بالتحريف بهدف التدليس على المواطنات والمواطنين. فالتلقيح لم يقتل المئات والعشرات كما يدعي كذبا أصحاب الدعوات المنشورة، ولم يتسبب في الشلل أو هزالة العظام كما يزعمون، وإنما هو آلية صحية تعتبرها جميع الدول، بما فيها العظمى، الوسيلة الوحيدة حاليا للتصدي للجائحة الصحية.

والذي يناضل فعلا من أجل عدم إجبارية جواز التلقيح لا يفترض فيه خلط الأمور بغرض دغدغة مشاعر الناس والانسياق بهم لا إراديا إلى الشارع العام. فمن يطالع مختلف دعوات التحريض على الاحتجاج لا يجد فيها فقط جواز التلقيح هو المشجب والسبب والعلة للاحتجاج، بل تم إقحام غلاء الأسعار ونتائج الانتخابات وتشميع البيوت…وغيرها كأسباب مبررة للاحتقان الاجتماعي المنشود.

وأخيرا، فالذي يدعو لمسيرات احتجاجية ضد جواز التلقيح لا يمكن أن يعتبرها “انتفاضة شعبية” في تصريحاته الفايسبوكية، ولا أن يسدل عليها مسحة دينية في التسجيلات الصوتية التي يبعث بها للأتباع والمريدين، ولا أن يحرّض فيها الإلتراس وفصائل المشجعين على الدولة والمؤسسات العامة. فمن يقوم بمثل هذه الأفعال لا يأبه في الحقيقة لجواز التلقيح، بقدر ما يبحث عن الاحتقان الشعبي الذي سيحرق أنامل المحرضين أولا، جزاءا بما اقترفت أيديهم في دعوات التغرير بالناس وتغليط الرأي العام.