العدالة والتنمية يتمسك بالوهم والسراب “3”

تجربة الإسلاميين في المغرب، هناك من فهمها من الداخل، وفكك بنيتها، وأركانها، فالذي عاش ورأى وسمع ليس كمن سمع فقط، والذي قارع الفكرة بالفكرة داخل التنظيم ليس من يقارعها من الخارج.

وأبرز المنتمين لحركة التوحيد والإصلاح بالخصوص، فهموا كواليسها، وواقعها، فانتقدوها بشدة، مبرزين مكامن الضعف والخلل والنفاق أحيانا كثيرة، في هذه الحلقة سنذكر لكم الخذلان الأكبر الذي عاشته شخصيات وازنة داخل التنظيم الإسلامي، وأوضحوا للمغاربة من خلال كتبهم عمق تصدع الفكر الإخواني في المغرب.

فريد الأنصاري، أيقونة، علم على رأسه نار، انتقد بشدة الحركات الإسلامية في المغرب، ووجه لها سهاما سديدة، فألف كتابا جامعا تحت عنوان “الأخطاء الستة للحركة الإسلامية بالمغرب – انحراف استصنامي في الفكر والممارسة”، من خلال العنوان يتبن أن الأنصاري سيخوض في نقاش مفصل حول واقع الحركات الإسلامية، وسيقدم عصارة تأمله وتجربته داخلها، غرض الإصلاح.

عقب نشر الأنصاري كتابه، تعرض الرجل لموجة من الغضب والرفض من الإخوان، لم يتقبلوا أن يريهم شخصا وجوههم في المرآة، ويكشف ما هم يتسترون عنه،  فتمت محاصرته إلى أن قدم استقالته من حركة التوحيد والإصلاح وحورب إلى أن نفى نفسه إلى تركيا حيث مات منبوذا هناك.

ويبدو ما قاله الأنصاري لا زال البيجيدي يعاني منه لحد الآن، ولم يتغير منه أي شيء ولا زال الحزب غارقا في الاضطرابات والنرجسية، فالرجل كان عليما بأركان الحركات الإسلامية ومستقبلها، والآن بدا جليا أنه لم يكن يتكلم من فراغ، بعد هذا التردي والتراجع، والخذلان الذي صدروه للمغاربة تصديرا.

فتوظيف الدين في الحملة الانتخابية، ومواجهة الخصوم به، وتسويق صورة مغرضة عن من يناقضهم في التوجه السياسي أنهم لا يصلحون للمغاربة كونهم يتبنون أفكارا دخيلة على المجتمع المغربي ووجب عدم التصويت عليهم وعدم دعمهم انتخابيا، فالبيجيدي لديه دين انتخابي يشهره في وجه الأحزاب الأخرى، لاستمالة القاعدة الناخبة التي في الغالب لا تتبنى الفكر السياسي من منطلق إيديولوجي صرف، ولا تضع تصورات سياسية صوب أعينها لتحديد الحزب الأجدر بالسلطة، بل تراهن على من يولي للدين أهمية في الحياة وتستقطبه به.

والغريب في الأمر أن زعماء العدالة والتنمية وحركة التوحيد والإصلاح، يعتبرون أنفسهم هم أصحاب الدين، وهم حماته، والداخل عندهم داخل إلى الإسلام والخارج من عندهم كافر وفاسق.

فها نحن الآن لا زلنا نشاهد حزبا يعارض توجه الدولة في كل شيء، تقدم على كل المستويات وقطار فائق السرعة يتجه نحو المستقبل، والحزب الحاكم لعشر سنوات لا يريد لنفسه الخروج من زمن ابن تيمية وعقد صلة وصل مع عالم جديد بمتغيراته وأحداثه المتسارعة ودينامية وانتشار التكنولوجيا والتحديث.

لا أحد ينكر أن الحزب عمق جراح المغاربة، وجراح من كانوا ينتمون إليه، أرادوا التغيير وانتقدوا الممارسة السياسية التي ينهجونها، فطردوا منه شر طرد، والمغاربة بدورهم طالهم بطش الإسلاميين وانغلاقهم، فنصبوا أنفسهم أولياء على الجميع، غير مكترثين لشيء اسمه الدولة، فالدين ليس عند البيجيدي فقط، الدين لله، ولا أحد له الحق في استغلاله في المواجهات السياسية الميدانية، لكنهم نسبوه لأنفسهم كأنه نزل عليهم فقط.

ويبدو أن حزب “اللامبة” لا يهمه أن يشتغل داخل مؤسسات الدولة، ويساهم في اشعاعها، والنهوض بأدائها، بقدر ما يهمه التواجد فيها، والتوغل في المجتمع، لتنزيل برنامجه الدعوي المقرون بالسياسي، فهما لا يفترقان، فالأول يغذي الثاني.. الحلقات مستمرة..